التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٤ - نماذج من تراجم خاطئة
و بذلك نكون قد أمّننا على القرآن ضياعه، فلا يضيع كما ضاعت التوراة و الإنجيل من قبل؛ بتجريد تراجمهما عن النصّ الأصل، الأمر الذي يجب أن لا يتكرّر بشأن هذا الكتاب السماويّ الخالد «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ»[١].
نماذج من تراجم خاطئة
لا ريب أنّ كلّ عمل فرديّ قد يتحمّل أخطاءً لا يتحمّلها عمل جماعيّ، و من ثمّ وقع الكثير من الأفاضل في مآزق الانفراد فزلّوا أو أخطأوا المقصود، هذا الإمام بدر الدين الزركشيّ، المضطلع باللغة و الأدب، و كذا تلميذه جلال الدين السيوطيّ الخبير بمواضع الكلام، نراهما قد اشتبها في اشتقاق «هُدنا»[٢]، فزعماه من: هدى يهدي[٣]. مع العلم أنّه من:
هاد يهود!
لكن الزمخشريّ في تفسيره يقول: هدنا- بالضمّ-: فعلنا، من: هاده يهيده[٤].
و قال الراغب: الهَوْد: الرجوع برفق، و منه التهويد و هو مشي كالدبيب. و صار «الهَوْد» في التعارف التوبة، قال تعالى: «إنا هدانا إليك» أي تبنا[٥].
و الأعجب اشتباه مثل الراغب، ذكر في مادّة (عنت) قوله تعالى: «وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ»[٦] أي ذلّت و خضعت[٧]، في حين أنّه من (عَنِيَ) بمعنى العناء و هو ذلّ الاستسلام؛ و لذلك يقال للأسير: العاني. و قد غفل الراغب فذكره في (عنى) أيضا. قال الطبرسيّ: أي خضعت و ذلّت خضوع الأسير في يد مَن قهره ...[٨]
[١] -. الحجر ٩: ١٥.
[٢] -. من قوله تعالى:« وَ اكتُب لَنا في هذِهِ الدُّنيا حَسَنَةً وَ فِي الآخِرَةِ إِنّا هُدنا إِلَيكَ» الأعراف ١٥٦: ٧.
[٣] -. قال الزركشيّ: فمنه الهدى سبعة عشر حرفا- إلى قوله- و بمعنى التوبة:« إنّا هدنا إليك» أي تُبنا! البرهان في علوم القرآن، ج ١، ص ١٠٣- ١٠٤.
و قال السيوطيّ: من ذلك الهدى يأتي على سبعة عشر وجها- إلى قوله- و التوبة:« إنا هدانا إليك»!( الإتقان، ج ٢، ص ١٢٢- ١٢٣).
[٤] -. الكشّاف، ج ٢، ص ١٦٥.
[٥] -. المفرداتفي ألفاظ القرآن للراغبالإصفهانيّ، ص ٥٤٦.
[٦] -. طه ١١١: ٢٠.
[٧] -. المفردات، ص ٣٤٩.
[٨] -. مجمع البيان، ج ٧، ص ٣١.