التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩١ - الرؤية
الجبل مستقرا، كان قادرا على الأمر الذي لو فعله لرآه موسى. فدل ذلك على أنّ اللّه تعالى قادر على أن يري نفسه، و أنّه جائز رؤيته. فان قال قائل: فلم لا قلتم انّ هذه الآية تبعيد للرؤية؟، قيل له: لو أراد اللّه تبعيد الرؤية، لقرن الكلام بما يستحيل وقوعه، و لم يقرنه بما يجوز وقوعه، فلما قرنه باستقرار الجبل، و ذلك أمر مقدور للّه عزّ و جلّ، دلّ ذلك على أنّه جائز أن يرى اللّه. أ لا ترى أنّ الخنساء لما أرادت تبعيد صلحها لمن كان حربا مع أخيها، قرنت الكلام بمستحيل، فقالت:
|
و لا اصالح قوما كنت حربهم |
حتى تعود بياضا حلكة القار[١]. |
|
قال: و اللّه تعالى إنّما خاطب العرب بلغتها، و ما نجده مفهوما في كلامها و معقولا في خطابها، فلما قرن الرؤية بأمر مقدور جائز، علمنا أنّ رؤية اللّه بالأبصار جائزة غير مستحيلة.
٤- قال: و دليل آخر، قال تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَ زِيادَةٌ[٢] قال أهل التأويل: الزيادة الموعودة هنا هو النظر إليه تعالى، قالوا: و لم ينعم اللّه عزّ و جلّ أهل جنانه بأفضل من نظرهم إليه[٣].
٥- و هكذا قوله تعالى: لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَ لَدَيْنا مَزِيدٌ[٤] قيل: المزيد هو
[١] الحلكة: شدة السواد. و القار: القير.
[٢] يونس: ٢٦.
[٣] قال ابن كثير: و افضل ما ينعم به اهل الجنة و اعلاه هو النظر الى وجهه الكريم، و قد روي ذلك عن أبي بكر الصديق، و حذيفة بن اليمان، و عبد اللّه بن العباس، و سعيد بن المسيب و عبد الرحمن بن أبي ليلي، و عبد الرحمن بن سابط، و مجاهد، و عكرمة، و عامر بن سعد، و عطاء و الضحاك، و الحسن، و قتادة، و السدي، و محمد بن اسحاق، و غيرهم من السلف و الخلف. و قد وردت فيه احاديث كثيرة. التفسير: ج ٢ ص ٤١٤. و راجع: الطبري- التفسير- ج ١١ ص ٧٣- ٧٥. و غيره من اصحاب التفسير بالمأثور. و هكذا ارباب التفسير الصوفي كالقشيري في« لطائف الاشارات» ج ٣ ص ٩١.
و الخواجا عبد اللّه الانصاري في تفسيره العرفاني. راجع: ملخصه للامام أحمد الميبدي: ج ١ ص ٤٢٩.
يقول الخواجا:« و شرط است كه ميزبان ديدار خود را از مهمانان بازنگيرد».
[٤] ق: ٣٥.