التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٠ - الرؤية
الرؤية:
١- قال- في قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ[١]- يعني رائية. إذ ليس يخلو النظر من وجوه ثلاثة، إمّا نظر الاعتبار، كما في قوله تعالى:
أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ[٢]. أو نظر الانتظار، كما في قوله:
ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً[٣]. أو نظر الرؤية. أمّا الأول فلا يجوز، لأنّ الآخرة ليست بدار اعتبار. و كذا الثاني، لأنّ النظر إذا ذكر مع الوجه فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه. و لأن نظر الانتظار لا يقرن «إلى»، كما في قوله تعالى:
فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ[٤]. فان قال قائل: لم لا يجوز أن يراد «إلى ثواب ربها ناظرة»؟، قيل له: ثواب اللّه غيره، و قد قال تعالى: إلى ربها ناظرة، و لم يقل: إلى غيره ناظرة. و القرآن على ظاهره. و ليس لنا أن نزيله عن ظاهره، إلّا لحجة. أ لا ترى أنّه لما قال: صلوا لي و اعبدوني لم يجز أن يقول قائل: إنّه أراد غيره، و يزيل الكلام عن ظاهره، فلذلك لما قال: إلى ربها ناظرة، لم يجز لنا أن نزيل القرآن عن ظاهره بغير حجة.
٢- و تشبث- أيضا- بقوله تعالى: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ[٥] قال. دلت الآية على أنّ اللّه تعالى يرى بالأبصار، إذ لا يجوز أن يكون موسى (عليه السلام) قد سأل ربّه ما يستحيل عليه، و قد ألبسه اللّه جلباب النبوة و عصمه بعصمة المرسلين. و إذا لم يجز ذلك على موسى (عليه السلام) فقد علمنا أنّه لم يسأل ربّه مستحيلا، و أنّ الرؤية جائزة على ربنا عزّ و جلّ.
٣- قال: و دليل آخر، مما يدل على جواز رؤية اللّه بالأبصار، قوله تعالى لموسى: فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي[٦]. فلما كان اللّه قادرا على أن يجعل
[١] القيامة: ٢٣.
[٢] الغاشية: ١٧.
[٣] يس: ٤٩.
[٤] النمل: ٣٥.
[٥] الاعراف: ١٤٣.
[٦] الاعراف: ١٤٣.