التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤٠ - اختبار داود
الشديدة فضلوا، شأن كل زعيم إذا احس بضعضعة في بعض جوانب قيادته، ان يستنطق المسئول الذي عينه في تلك الجهة و يبادر إلى محاكمته ان كان رأى من موقفه التساهل و التقاعس عن وظيفته.
الأمر الذي دعى بموسى ان يوجّه ملامته أولا و بالذات إلى أخيه المسئول عن قومه. فأخذ برأسه و لحيته و جره اليه بعنف، استنكارا على تساهله بأمر القوم.
و هارون و ان كان قد أبدى عذره عن سكوته تجاه ضلال القوم و عبادتهم للعجل لكنه لم يكن بتلك المثابة التي تبرأ موقفه نهائيا، و من ثمّ استغفر موسى لنفسه و لأخيه ان هارون حسب من قيامه في وجه القوم حدوث انشقاق في صفوفهم و ربما وقوع فساد و سفك دماء، فسكت ريثما يعود موسى و هو أعرف بموقفه مع القوم. الأمر الذي ان كان يصلح عذرا في الجملة، فليس من العذر المقبول كليا. و من ثمّ لم يكن موقف موسى مع أخيه حينذاك ظلما بشأنه ذلك الظلم الذي حسبوه، كما لا يخفى على من امعن النظر في جوانب القضية و درسها بعمق. و هذا الكتاب موضع اختصار.
اختبار داود:
قال تعالى: وَ هَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ. إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ، قالُوا لا تَخَفْ، خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ، فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَ لا تُشْطِطْ وَ اهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ. إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَ عَزَّنِي فِي الْخِطابِ، قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ، وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ، وَ قَلِيلٌ ما هُمْ. وَ ظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَ خَرَّ