التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٨ - خيفة موسى
تخفى على نبي اللّه موسى (عليه السلام). و أخيرا اعترافه بأن وراء هذه الظواهر حكمة بالغة و فوائد تربوية جليلة، تخضع لها نفوس مستسلمة سليمة فتهتدي إلى معالم الحق، و ان كان قد يزيد في ضلال من زاغ قلبه و اعمى بصره.
قوله: «ان هي الا فتنتك» أي ابتلاؤك و امتحانك للناس ليهلك من هلك عن بينة و يحيى من حي عن بينة.
و قوله: «أ تهلكنا بما فعل السفهاء منا» استرحام و طلب للعفو عما فرط منهم في جنب السفهاء، حيث و اكبوهم في سفاهتهم و داهنوهم في غفلتهم. و لم يقصد موسى (عليه السلام) نفسه، و انما عنى الرجال السبعين الذين اختارهم للميقات، أهلكتهم الرجفة بمجاملتهم مع سفهاء القوم.
و اللام في قوله: «ليضلوا عن سبيلك» هي لام العاقبة مثلها في قوله:
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً.
و هذا تمهيد للدعاء عليهم بالهلاك و الدمار، حيث كفروا بنعم اللّه عليهم و لم يقدروها، بل و أخذوا يستغلونها في سبيل اضلال العباد و الصدّ عن سبيل اللّه.
و قال تعالى: وَ لَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ[١].
أ ليس هذا من طلب المستحيل؟
و قد تقدم الجواب عن ذلك، بانه من باب تجاهل العارف، على أثر ضغط من قومه الجاهلين. فقد ورد ان لسانه لم يطق النطق به، فأوحى اللّه اليه:
يا موسى سلني ما سألوك فلا مؤاخذة عليك بجهلهم، فعند ذلك تجرأ موسى على أن ينطق به[٢].
[١] الاعراف: ١٤٣.
[٢] راجع الصفحة: ٩٨.