التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٤ - هل في آيات الحبط عموم؟
الجاهلية و أيامهم و انسابهم فتفاخروا، فأنزل اللّه ... الخ.
و عن ابن الزبير: كان الناس في الجاهلية إذا وقفوا بالمشعر الحرام دعوا فقال أحدهم: اللهم ارزقني ابلا، و قال الآخر: اللهم ارزقني غنما، فأنزل اللّه ... الخ.
و عن السديّ: كانت العرب إذا قضت مناسكها و اقامت بمنى، لا يذكر اللّه الرجل منهم، و انما يذكر أباه، و يسأل ان يعطى في الدنيا[١].
و عن الامام أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام): انهم كانوا يجتمعون، يتفاخرون بالآباء، و بمآثرهم، و يبالغون فيه[٢].
هذا فيما لو كانت الاشارة في «اولئك» إلى خصوص الفئة الثانية، أمّا لو ارجعناها الى كلتا الطائفتين، كان المعنى: ان لكل نصيبه حسبما يبتغيه ان دنيا و ان آخرة، نظير قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ. وَ مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها، وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ[٣].
بل و حتى المؤمن إذا كان همه الدنيا كانت هي نصيبه من حظ الحياة، و لا حظ له في الآخرة، ذلك الحظ الاوفر. حيث قصور نظره و ابتذال همته. كما
روي في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ أَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا. أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ[٤] انها نزلت فيمن أخذ مالا بيمين فاجرة[٥].
فهؤلاء، و إن كانوا مؤمنين بحسب الظاهر، لكنهم في واقع باطنهم لا طمع لهم في الآخرة.
كما
روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «ان اللّه يؤيد هذا الدين باقوام لا خلاق لهم»[٦]
يعني المجاهدين في سبيله لأطماع دنيوية لا عقيدة لهم راسخة،
[١] الطبري- التفسير-: ج ٢ ص ١٧٤. و الدر المنثور: ج ١ ص ٢٣٢. و اسباب النزول للواحدي: ص ٣٤.
[٢] التبيان للشيخ الطوسي: ج ٢ ص ١٧٠. و مجمع البيان: ج ٢ ص ٢٩٧. و الصافي: ج ١ ص ١٧٨.
و العياشي: ج ١ ص ٩٨.
[٣] الشورى: ٢٠.
[٤] آل عمران: ٧٧.
[٥] تفسير البرهان: ج ١ ص ٢٩٢. و المجمع: ج ٢ ص ٤٦٣. و الدر المنثور: ج ٢ ص ٤٤.
[٦] التفسير الكبير للامام الرازي: ج ٥ ص ١٨٧.