التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٤ - حل شبهات المجبرة
٢٦- و أمّا قوله تعالى: وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ[١] فهو كقوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً[٢]. كانت اللام في أمثال هذا الكلام للعاقبة و النتيجة،
كقول الامام أمير المؤمنين (عليه السلام): لدوا للموت و ابنوا للخراب[٣].
أي كلّ ولادة لا بدّ أن تنتهي إلى الموت. و كلّ بناء لا بدّ أن ينتهي إلى الخراب. و هكذا كثير ممن خلقهم اللّه تؤول عاقبة أمرهم إلى جهنم. بدليل التعليل في ذيل الآية: لهم قلوب لا يريدون أن يفقهوا بها. و لهم أعين لا يحاولون الإبصار بها. و لهم آذان لا يسترعون الاستماع بها. و قد جعلوا من أنفسهم كالأنعام بل أضل. الأمر الذي هو طلبوه و مهدوا السبيل إلى تحقيقه، كأنّهم يجتهدون مساعيهم لدخول النار و بئس المصير.
و أخيرا فالذي يدلنا بوضوح على أنّ دخولهم النار كان لسوء اختيارهم- لا أنّه تعالى خلقهم لذلك بحيث أراد منهم فعل المعاصي ليدخلوا جهنم، كما زعمه الأشعري و أذنابه الاغبياء- قوله تعالى: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[٤]. و هذه الآية صريحة و محكمة، فيجب رد غيرها من متشابهات إليها.
٢٧- و قوله: وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها[٥]. المشيئة فيها تكوينية، أي لو أردنا اجبارهم على الهدى لفعلنا، غير أنّه «لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ». إذ حكمة التكليف تقتضي منح المكلفين اختيارهم في الاهتداء أو البقاء على الضلال.
و لو لا ذلك لم يحصل اختبار و لا تمييز الخبيث من الطيب. و لئلا يكون للناس على اللّه حجة بعد الرسل.
و قوله- بعد ذلك-: وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ لا يدلّ على أنّه تعالى حتم عليهم الكفر و العصيان ليدخلوا جهنم. بل المعنى: أنّه تعالى حق القول منه أن لا يكره الناس على الطاعة و الايمان، بل
[١] الاعراف: ١٧٩.
[٢] القصص: ٨.
[٣] نهج البلاغة: قصار الحكم: ١٣٢.
[٤] الذاريات: ٥٦.
[٥] السجدة: ١٣.