التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٢ - حل شبهات المجبرة
قال تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ، أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ. أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ[١].
و بما أنّ الصدفة و الخروج عن العدم المحض من غير علة و لا سبب موجد مستحيلة، في بداهة العقل الرشيد، و كذا أن يكون. موجود هو أوجد نفسه فيكون بذاته علة لذاته و في نفس الوقت معلولا عن ذاته، ليتّحد العلة و المعلول، هذا أيضا مستحيل، فثبتت الثالثة، و أنّ هناك صانعا مدبرا هو الذي خلق و قدر.
٢١- و قوله: شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ[٢] نفى أن يكون من زعموه شريكا مع اللّه في العبادة أن يكون شريكا معه في الخلق. فإذا لم يكونوا شركاء في الخلق، فكيف أصبحوا شركاء في العبادة؟! و الخلق المنفي هنا هو الاستقلال و الاستبداد في الإحداث و الإبداع، الأمر الذي لا يتنافى و اختيارية أفعال العباد، الذين هم غير مستقلين فيها، فلم يكونوا شركاء له تعالى في الخلق و التدبير التام. إذ نسبة الفعل إلى فاعله- باعتبار أنّه موجد لشرطه- لا تقتضي استقلاله في الإحداث.
٢٢- و الاجماع على أنّه لا خالق إلّا اللّه، كالآيات المتقدمة، ينفي استقلال غيره في الإحداث و الإيجاد، أمّا إيجاد شرط الشيء لتتفاعل القوى الطبيعية مع بعضها تماسكا و تجاذبا، وفق سنة اللّه التي جرت في الخلق، فهذا شيء لا ينفيه الاجماع المذكور و لا الآيات السابقة. و قد تقدم الكلام في ذلك. و اطلاق الخلق على هذا النمط من الإحداث و الصنع ليس شيئا ينكر، قال تعالى- خطابا مع عيسى (عليه السلام): وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ[٣] أي تصنع.
فأسند الخلق إلى عيسى ذاته. و قال تعالى: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ[٤].
أَ تَدْعُونَ بَعْلًا وَ تَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ[٥]. أي أحسن الصانعين، حيث
[١] الطور: ٣٥- ٣٦.
[٢] الرعد: ١٦.
[٣] المائدة: ١١٠.
[٤] المؤمنون: ١٤.
[٥] الصافات: ١٢٥.