التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٥ - حل شبهات المجبرة
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً[١]. و قال: الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَ يَجْعَلُهُ كِسَفاً[٢].
و قال: ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً[٣]. و الآيات من هذا القبيل كثيرة جدا. و سبب ذلك يعود إلى ما ذكرنا: ان جميع ظواهر هذا الكون، سواء أ كانت طبيعية أم اصطناعية، فانّها تتكون وفق قوانين عامة جعلها اللّه في جبلة الاشياء، و هي تتفاعل مع بعضها في نظام متسق، من غير أن تستغني عن امداد إفاضته تعالى في كلّ آن. فمن ألقى حطبا في النار و احترق الحطب، صح القول:
انّه تعالى أحرقه، لما أودع في طبيعة النار من خاصية الاحراق و في طبيعة الخشب من خاصية الاحتراق، و هو تعالى يمدهما بابقاء تلك الخاصية في كلّ آن. كما صحّ القول بانّ الملقى في النار هو الذي أحرق الحطب، لأنّه أوجد شرط هذا التفاعل الكيمياوي بين النار و الخشب.
حلّ شبهات المجبرة:
و بعد فقد حان وقت التعرض لما تشبث به أهل الجبر (الأشاعرة و أذنابهم) من آيات و روايات حسبوها دالة على نفي استطاعة العبد و سلب قدرته و إرادته في الفعل و الترك ... و ما هي إلّا شبهات تنقشع على ضوء ما قدمنا من بيان.
و اليك الاجابة- تفصيلا- على ما لفقوها، تباعا حسب الارقام المتقدمة:- ١- أما قوله تعالى: وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ[٤] فسواء اريد الاصنام أم الأعمال ذاتها، فانّها مخلوقة للّه بالمعنى المتقدم، حيث لم يكن صنع البشر سوى ايجاد شرط التفاعل بين قوى التكوين، و لم يكونوا هم مستقلين في تحقيق أي صنع أو عمل ما دامت القوى الطبيعية هي التي تتجاذب و تتماسك مع بعضها
[١] النور: ٤٣.
[٢] الروم: ٤٨.
[٣] الزمر: ٢١.
[٤] الصافات: ٩٦.