التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٤ - انتساب الحوادث إلى الله
كما هو الشأن في سائر الصفات الفعلية كالخلق و الرزق و الاحياء و الاماتة.
و هذه الإرادة من اللّه بالنسبة إلى أفعال العباد الاختيارية واقعة في رتبة التابع من المتبوع، حيث جرت سنته تعالى على تحقق ما يريد العباد فعله، و قد عبّر عنها في القرآن بالاذن. فما يريد العباد ايجاده من أفعال اختيارية، فإنّه تعالى يأذن في تحققها وفق ما يريدون- حسبما تقدم- و عليه فلم تكن إرادة العبد معلولة لإرادته تعالى، و لا منبعثة عنها، كما توهمه بعض المتفلسفين. و انما إرادته منبعثة عن داخل ذاته عند حصول مقدماتها السالفة، لا عن شيء آخر. و بذلك أثبتنا اختيارية الإرادة من العباد اختيارية تامة، هكذا جعل اللّه العباد مختارين تمام الاختيار في الإرادة، لئلا يكون اجبار أو اضطرار إلى هذا النمط من الافعال، و من ثمّ صحّ التكليف، و جازت المؤاخذة، و حسن المدح و الذم.
انتساب الحوادث إلى اللّه:
في كثير من تعابير القرآن الكريم جاءت نسبة الحوادث، سواء أ كانت ذوات علل و عوامل طبيعية، أم كانت وليدة صنع الانسان و عمله[١].
قال تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ[٢]. و قال: وَ لَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ[٣]. و قال: وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَ يَوْمَ إِقامَتِكُمْ- إلى قوله- وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَ جَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَ سَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ[٤].
و قال تعالى: جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَ حَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَ جَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً[٥]. و قال: وَ الَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى[٦]. و قال:
[١] راجع في ذلك: اوائل المقالات للمفيد: ص ٨٦- ٨٧.
[٢] الحاقة: ١١.
[٣] الرحمن: ٢٤.
[٤] النحل: ٨٠- ٨١.
[٥] الكهف: ٣٢.
[٦] الاعلى: ٤- ٥.