التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٢ - الأفعال الاختيارية
كما يجد الانسان من نفسه الفرق بين تعلق الإرادة بالعمل الذي يريده، و تعلق العلم به. حيث لا أثر للعلم في تحقق المعلوم، امّا الارادة فهي الباعثة على تحقق المراد. و كذا القدرة على عمل هي التي جعلته تحت اختياره ان شاء فعله أو تركه، و لا هكذا اثر للعلم بالنسبة إلى المعلوم.
و الخلاصة: أنّ هناك أفعالا اختيارية تصدر من الفاعل المختار حسب إرادته و اختياره، يكون هو المسئول عنها، تحسينا أو تقبيحا، مدحا أو ذما، ثوابا أو عقابا. و لا يسأل عنها غيره بتاتا. لا يؤخذ الجار بذنب الجار. و لا تزر وازرة وزر اخرى، و مضاعفات كلّ عمل إنّما ترجع على العامل و تستند إليه تبعاته من خير أو شر، صلاح أو فساد، حق أو باطل.
هذا ما تشهد به ضرورة العقل و بداهة الوجدان، و عليه صحّ التكليف و التشريع و بعث الرسل و انزال الكتب، و الأمر و النهي، و الوعد و الوعيد، و المثوبة و العقوبة و ما اليها، و إلّا لغي التكليف و بطل التشريع و البعث و الزجر، و لم يكن موقع لتحسين أو تقبيح و لا استحقاق جزاء. و لأصبح تحسين المحسن على احسانه عبثا كمدح الجميل على حسن صورته. و هكذا لغي ذم المسيء على إساءته كذم الدميم على قبح منظره و قدح القصير على قصر قامته أو الأعرج على عرج رجله.
و لنتساءل الأشاعرة: هل تجدون من انفسكم الفرق بين جود الكريم و صفاء اللؤلؤ؟ أو شح البخيل و سواد الفحم؟ فإن قالوا: نعم، سألناهم فإلى من يرجع مدح الجود إذا جاد الكريم، و إلى من يعود ذم الشح إذا بخل البخيل؟
فإن قالوا: إلى اللّه قلنا: فلم يكن فرق بين الكريم و اللئيم إذا كان كرم ذاك و لؤم هذا كلاهما من عند اللّه، غير داخلين تحت اختيارهما و إرادتهما، و بالتالي لم يكن فرق بين كرم الكريم و صفاء اللؤلؤ، أو بين شح البخيل و سواد الفحم، فقد نقضتم ما اعترفتم به أوّلا!.