التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٨ - الجهة و المكان
و الأخلية: الخلاء. و هو الكنيف أيضا. انظر إلى هذا التعبير السيئ في مقام التكلم عن شئون ربّ العزّة، و لا غرو فإنّ الغريق يتشبث بكلّ حشيش، و نحن نقدرهم إذ عبّروا ببطن مريم!.
هكذا لفّق أصحاب التشبيه تلفيقاتهم لإثبات الجهة له تعالى، و قد أتى عليها أهل العدل و التنزيه بعاصفة البرهان القاطع، فنسفوها نسفا و ذروها أدراج الرياح.
قال أهل التنزيه: إنّه تعالى ليس بجسم و لا فيه شيء من خواص الاجسام، فليس يوصف تعالى بالابعاد الثلاثة، من طول و عرض و عمق، و لا هو ذو حركة و سكون، و لا خفة و لا ثقل و لا وزن، و لا هو محدود بجهة، و لا يحويه مكان، و ان كان لا يخلو منه مكان، و لا هو معروض الحوادث من الاجتماع و الافتراق، و الحضور و الغياب، و الانتقال و الذهاب و الاياب. إذ كلّ ذلك هو من ملزومات الجسمية، و هي عوارض حادثة، و اللّه تعالى قديم في ذاته و صفاته، متنزه عن كلّ عروض أو حدوث[١] لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[٢].
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «من أشار اليه فقد حده[٣]. و من حده فقد عده[٤]. و من قال: فيم؟ فقد ضمّنه. و من قال: علام؟ فقد اخلى منه[٥].
[١] راجع في ذلك بالخصوص: تجريد الاعتقاد لنصير الدين الطوسي، بشرح العلامة ابن المطهر الحلي، بحث الالهيات، المسألة: ١٢- ٢٠، ص ١٦١- ١٦٤. و شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار:
ص ٢١٦- ٢٣٠.
[٢] الشورى: ١١.
[٣] لان الاشارة الحسية تستدعي حصر المشار اليه في جهة منقطعا عن غيرها من الجهات فيكون محدودا، أي ذا طرف ينتهي اليه. فمن اشار اليه فقد حده.
[٤] لان التحديد هو منشأ العد، فلولا الانتهاء الى حد لما صحّ العد.
[٥] لأنّه لو كان على شيء- كالعرش مثلا- لزم اخلاء سائر الامكنة منه.