التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٧ - الجهة و المكان
باستوائه على العرش كايمان المصلين به، لقلنا لكم: ليس نزوله من سماء إلى سماء بأشد عليه من ذلك فكما قدر على الأولى قدر على الاخرى كيف يشاء[١].
٤٦- و استدل ابن خزيمة بأن فطرة المسلمين علمائهم و جهالهم، أحرارهم و مماليكهم، ذكرانهم و أناثيهم، بالغيهم و أطفالهم، كل من دعا اللّه جلّ و علا، فإنّما يرفع رأسه إلى السماء، و يمد يده إلى اللّه إلى أعلاه لا إلى أسفل. و زاد المعلق (محمد خليل هراس) في هامش الكتاب: انّ التوجه إلى السماء في الدعاء، ليس فطرة في المسلمين وحدهم، بل هو فطرة عامة في سائر الناس، بل إنّ الحيوانات نفسها لترفع رأسها إلى السماء زمان الجدب، كأنّها تستمطر ربها، و لا يجحد هذه الفطرة إلّا معطل قد فسدت فطرته[٢]. و هكذا استدل أبو الحسن الأشعري.
هذا جل ما تشبث به القوم في هذا المجال، فانتظر للاجابة على جميع ذلك واحدة واحدة تباعا حسب الأرقام.
و للأشاعرة و من لف لفهم- هنا- كلام سيّئ، زعموه نقضا على أهل التنزيه. قال أبو الحسن الأشعري: زعمت المعتزلة أن اللّه في كلّ مكان، فلزمهم أنّه في بطن مريم، و في الحشوش، و في الأخلية، و هذا خلاف الدين، تعالى اللّه عن قولهم![٣] و قال أبو سعيد: فما الذي دعا الملك القدوس، إذ هو على عرشه في عزه و بهائه، أن يصير في الأمكنة القذرة و أجواف الناس و الطير و البهائم، و يصير بزعمكم- خطاب إلى أهل التنزيه- في كلّ زاوية و حجرة و مكان منه شيء؟![٤].
و الحشوش: الكنف و مواضع قضاء الحاجة، الواحد: حش، و أصله من الحش: البستان، لأنّهم كانوا كثيرا ما يتغوطون في البساتين. قال ابن الأثير.
[١] نفس المصدر: ص ٢٧- ٢٩.
[٢] كتاب التوحيد و الصفات: ص ١١٠. و راجع: الابانة: ص ٣٥- ٣٦.
[٣] الابانة: ص ٣٦.
[٤] الرد على الجهمية: ص ١٤.