تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى - الفياض، الشيخ محمد إسحاق - الصفحة ١٠٥ - الثالث الاستطاعة من حيث المال و صحة البدن و قوته و تخلية السرب
عنها بقيت ذمته مشغولة به، و الظاهر صحة التصرف مثل الهبة و العتق و إن كان فعل حراما، لأن النهي متعلق بأمر خارج، نعم لو كان قصده في ذلك التصرف الفرار من الحج لا لغرض شرعي أمكن أن يقال بعدم الصحة (١)، و الظاهر أن المناط في عدم جواز التصرف المخرج هو التمكن في تلك السنة، فلو لم يتمكن فيها و لكن سواء أ كان في أشهر الحج أو قبلها شريطة أنه لا يكون واثقا و متأكدا بتمكنه من الحج في السنة القادمة، و الّا فلا يبعد جوازه، و إن كان الأولى و الأجدر به تركه، و أما وجه عدم جوازه إذا لم يكن واثقا و مطمئنا بالتمكن منه في المستقبل فلأن الظاهر من الآية الشريفة و الروايات المفسرة لها أن وجوب الحج يتحقق بتحقق الاستطاعة في الخارج مشروطا بشرط متأخر زمنا و هو وصول يوم عرفة، فانه و إن كان من شروط الواجب و قيوده الّا أنا ذكرنا في علم الأصول أن قيد الواجب إذا كان غير اختياري فلا بد من أخذه قيدا للوجوب أيضا، اذ لو كان الوجوب مطلقا لزم كونه محركا للمكلف نحو الاتيان بالواجب المقيد بقيد غير اختياري و هو لا يمكن.
و بكلمة: ان المبرر لأخذ شيء قيدا للوجوب أحد أمرين:
الأول: ان يكون ذلك الشيء دخيلا في الملاك في مرحلة المبادئ و من شروط اتصاف الفعل به في تلك المرحلة، و حينئذ لا بد من أخذه قيدا للوجوب في مرحلة الجعل و الاعتبار.
الثاني: أن يكون قيدا للواجب و من شروط ترتب الملاك على وجوده في الخارج، و لكن مع ذلك يكون غير اختياري، فانه لا بد من أخذه قيدا للوجوب أيضا، و الّا لزم التكليف بغير المقدور. و نتيجة ذلك ان يوم عرفة لا بد أن يكون شرطا لوجوب الحج أيضا بنحو الشرط المتأخر.
(١) فيه اشكال بل منع، لما ذكرناه في علم الأصول من أن النهي عن المعاملات لا يستلزم فسادها و لا تنافي بين حرمتها تكليفا و صحتها وضعا.