التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٩ - ٢/ المجنون ومن بحكمه
والأصل في ذلك إن حقيقة العقود هي التراضي والإرادة المتبادلة، ومع عدم التمييز لا تكون هناك إرادة ولا قصد. ولذلك فإن عبارات هؤلاء لا قيمة لها حتى ولو لحقها الرضا، لأن الإرادة عندهم مفقودة.
وفي ذلك يقول د. السنهوري: الأهلية مناطها التمييز، لأن الإرادة لا تصدر إلّا عن تمييز، فمن كان كامل التمييز كان كامل الأهلية. [١] ومن نقص تمييزه كانت أهليته ناقصة، ومن إنعدم تمييزه إنعدمت أهليته. [٢]
وإذا كان المناط التمييز، فهل يعتد بكلام المجنون الذي يملك قدراً من التمييز إذا لحقه رضاه بعد الافاقة؟ الجواب: لا؛ لأن الجنون هو ضد التمييز تماماً، وافتراض تمييز المجنون هو بمثابة افتراض افاقته.
ومن هنا فإن مجرد القصد لا يكفي، لأن القصد مع إنعدام التمييز مثله مثل قصد النائم، وفي ذلك يقول العلامة النجفي بعد أن يحكي الإجماع على عدم الإعتداد بعقد المجنون، يقول: لا لعدم القصد فإنه قد يفرض في بعض أفراد الجنون، بل لعدم اعتبار قصده وكون لفظه كلفظ النائم. [٣]
وقد أجاد المحقق في جعل المناط في السكران التمييز، لأن السكران قد لا يبلغ به السكر درجة فقد التمييز. ومثله المريض الذي يهيمن عليه الوجع، أو المشدوه، أو الغاضب، أو المخدّر بالبنج أو بالمخدرات، أو الذي يغالب النعاس، كل أولئك إذا فقدوا التمييز فقدت كلماتهم قيمتها الشرعية.
ونستوحي هذا المعيار من قوله سبحانه: (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) (النساء/ ٤٣)
فإن المفهوم من قوله سبحانه (حَتَّى تَعْلَمُوا) انه حتى تميزوا كلامكم ..
ومثل هؤلاء الهازل، فإن لفظه لا قيمة له، لأنه لا نية معه ولا إرادة تدعمه. لذلك إستغرب العلامة النجفي من إلتزام الصحة في الهازل. [٤]
[١] أي من حيث التمييز، لأنه قد يفقد المرء الأهلية لأسباب أخرى كالحجر.
[٢] الوسيط، ج ١، ص ٢٦٨.
[٣] جواهر الكلام، ج ٨، ص ١٣٦.
[٤] المصدر، ص ١٣٧.