التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٧ - تأملات في الحديث
وعن صفوان بن مهران الجمال قال: دخلت على أبي الحسن الأول (الإمام موسى الكاظم) عليه السلام فقال لي: يا صفوان؛ كلّ شيء منك حسن جميل ما خلا شيئاً واحداً. قلت: جعلت فداك أي شيء؟! قال إكراؤك جمالك من هذا الرجل، يعني هارون. قال: والله ما أكريته أشراً ولا بطراً، ولا للصيد ولا للهو، ولكني أكريته لهذا الطريق، يعني طريق مكة، ولا أتولّاه بنفسي، ولكن ابعث معه غلماني. فقال لي: يا صفوان؛ أيقع كراؤك عليهم؟ قلت: نعم جعلت فداك. قال: فقال لي: أتحب بقاءهم حتى يخرج كراؤك؟ قلت: نعم. قال: من أحبّ بقاءهم فهو منهم، ومن كان منهم كان ورد النار. قال صفوان: فذهبت فبعت جمالي عن آخرها، فبلغ ذلك الى هارون، فدعاني فقال لي: يا صفوان؛ بلغني أنك بعت جمالك. قلت: نعم. قال: ولم؟ قلت: أنا شيخ كبير وإن الغلمان لا يفون بالأعمال؟ فقال: هيهات هيهات إنّي لأعلم من أشار عليك بهذا. أشار عليك بهذا موسى بن جعفر. قلت: ما لي ولموسى بن جعفر؟ فقال: دع هذا عنك، فو الله لولا حسن صحبتك لقتلتك. [١]
٧/ ويستثنى من ولاية الجائر الضرورة المادية، كالضرورة الى الدم والميتة حسب ما تلوناه في الحديث الماضي. وجاء في حديث آخر عن أبي الحسن (الإمام الهادي) علي بن محمد عليهما السلام: إن محمد بن علي بن عيسى كتب إليه يسأله عن العمل لبني العباس وأخذ ما يتمكّن من أموالهم، هل فيه رخصة؟ فقال: ما كان المدخل فيه بالجبر والقهر فالله قابل العذر، وما خلا ذلك فمكروه، ولا محالة قليله خير من كثيره، وما يكفر به ما يلزمه فيه من يرزقه يسبب وعلى يديه ما يسرّك فينا وفي موالينا. قال: فكتبت إليه في جواب ذلك أعمله أن مذهبي في الدخول في أمرهم وجود السبيل الى إدخال المكروه على عدوّه، وإنبساط اليد في التشفي منهم بشيء أتقرب به إليهم. فأجاب: من فعل ذلك فليس مدخله في العمل حراماً، بل أجراً وثواباً. [٢]
٨/ ويستثنى من ذلك أيضاً، العمل من أجل خدمة الدين ودفع المكروه عن المؤمنين وإضعاف الجائرين من داخل مؤسساتهم الرسمية، والأمر بالمعروف والنهي عن النكر، والدفاع عن حرمات المسلمين .. وبالتالي كلما كانت الولاية أنفع وأهم. ولكن تحديد ذلك لا يتسنى- عادة- إلّا للفقيه، فالأحوط أن يكون ذلك بإذن منه. ولعل النصوص التالية دالة على ذلك ..
[١] وسائل الشيعة، ج ١٢، ص ١٣١- ١٣٢، ح ١٧.
[٢] المصدر، ص ١٣٧، الباب ٤٥، ح ٩.