التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٠ - باء الصدق في الحياة
والمؤمنون يسألون ربهم أن يثبت أقدامهم، ويقول تعالى: (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلآَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (آل عمران/ ١٤٧)
فالقدم الثابت قدم صدق، لأن الصدق هو المطابق للواقع. واذا وضعت رجلك في موقع مناسب، بحيث استقرت فيه أو تطابقت مع الأرض، فقد تثبت ولا تزول.
٢/ والمقعد الصدق هو الذي يستقر بصاحبه ويطابقه ويناسبه، فلا يزعج عنه. ولعل هذا معنى قوله سبحانه: (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) (القمر/ ٥٥)
٣/ وإذا دخل الانسان مدخلًا يناسبه، دخله بثبات قدم، وبجهد كاف، وبحكمة بالغة، فإنه قد دخل مدخل صدق. أما إذا دخل في موقع لا يناسبه، أو لم يبذل الجهد الكافي للعمل الذي دخل فيه، أو خرج منه قبل أن يستكمل العمل، فانه قد دخل مدخلًا غير صدق، وخرج مخرجاً غير صدق.
وهكذا يدعو المؤمنون ربهم أن يدخلهم مدخل صدق ويخرجهم مخرج صدق، لأن ذلك وسيلة الى نعمة كبيرة، هي أن يجعل الله لهم من لدنه سلطاناً نصيراً. قال الله سبحانه: (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِي مِن لَدُنكَ سُلْطَاناً نَصِيراً) (الاسراء/ ٨٠)
الانسان يريد أن يبلغ النتائج من دون جهد كاف في المقدمات؛ يريد علماً بلا تعلم، مالًا بلا جهد، ومنعة بلا تضحية. وهذا قد يحصل، ولكنه غير نافع كثيراً، وغير حاصل دائماً. انما الرشد في أن تحصل على نعمة العلم والمال والعزة وأنت تستحقها بجدارة، لأنك بذلت جهداً كافياً لها، وقد وصلت الى غايتك بعد أن توفرت فيك المؤهلات الكافية.
وهذا صحيح بالنسبة الى كل النعم، ولعله أصدق ما يكون بالنسبة الى نعمة الرئاسة، إذ أكثر الناس يتمنونها من دون أن يوفروا في أنفسهم مؤهلاتها. ويبدو أن خاتمة الآية تشير الى أن السلطان والنصرة يستحقها من يوفقه الله سبحانه ليدخل مدخل صدق ويخرج مخرج صدق.
٤/ واللسان الصادق قد يكون لك، وقد يكون عليك. فاذا كنت صالحاً فان ذلك اللسان يمدحك بصدق، وإلّا فإنه لا يمدحك، بل وقد يذمك لا سمح الله. ولعل هذا هو السبب الذي يدعو المؤمنين الى طلب لسان الصدق؛ أي أن يعملوا عملًا صالحاً، ثم يراه الصادقون من عباد
الله ويثنون عليهم بما عملوه من صالح الأعمال. قال الله سبحانه: (وَاجْعَل لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الاخِرِينَ) (الشعراء/ ٨٤)