التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٩ - ثانيا فقه التقليد
والحديث مفصل، وتشهد على صحته مضامينه التي تتوافق وسائر النصوص التي سبق ذكر بعضها، ويأتي القسم الآخر منها إن شاء الله.
وفي الحديث بصيرتان هامتان؛ الأولى: إن على المؤمن أن يبحث بجد عن الفقيه الذي يتبعه ويأخذ منه معالم دينه، ثم يختار العدل الذي وصفته الرواية بأنه مخالف لهواه، مطيع لأمر مولاه.
البصيرة الثانية التي نستوحيها من الحديث: إن حكم العقل في إختيار المتبع، حكم نافذ شرعاً، وعليه فإن المؤمن يراقب قيادته لكي لا يركب مراكب السوء، ولا يغير أحكام الدين، وإلّا فإنه غير معذور عند الله.
وبتعبير آخر؛ إن الإتباع والتقليد لا يعني تجرد التابع والمقلد من أحكام عقله وثوابت الشريعة، إنما عليه أن يظل متمسكاً بهما أثناء التقليد، حتى لا يكتشف متأخراً إن من إتبعه كان منحرفاً وقد أضله عن السبيل.
وهكذا نهت أحاديث كثيرة عن الاسترسال في الإتباع، إلّا في الحجة الشرعية، وإليك طائفة منها:
١/ روي عن الثمالي، قال: قال أبو عبد الله (الإمام جعفر بن محمد الصادق) عليه السلام:" إياك و الرئاسة، وإياك أن تطأ أعقاب الرجال. فقلت: جعلت فداك؛ أما الرئاسة فقد عرفتها، وأما أن أطأ أعقاب الرجال، فما ثلثا ما في يدي إلَّا مما وطئت أعقاب الرجال. فقال: ليس حيث تذهب. إياك أن تنصب رجلا دون الحجة، فتصدقه في كل ما قال. [١]
قال العلامة المجلسي في بيانه لهذا الحديث: المراد أن تنصب رجلًا غير الحجة، فتصدقه في كل ما يقول برأيه من غير أن يسند ذلك الى المعصوم. [٢]
٢/ وروى سفيان بن خالد، عن أبي عبد الله الإمام الصادق عليه السلام، أنه قال: يا سفيان؛ إياك والرئاسة، فما طلبها أحد إلّا هلك. فقلت له: جعلت فداك؛ قد هلكنا إذا. ليس أحد منا إلا وهو يحب أن يذكر ويقصد و يؤخذ عنه. فقال: ليس حيث تذهب إليه، إنما ذلك أن تنصب رجلا دون الحجة، فتصدقه في كل ما قال، وتدعو الناس إلى قوله. [٣]
[١] بحار الأنوار، ج ٢، ص ٨٣، ح ٥.
[٢] المصدر.
[٣] المصدر، ح ٦.