التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٣ - ثانيا أسس الولاية الإلهية
ومن أعظمها أنَّ هذه المجتمعات لمّا بنيت على أساس التمتّع المادي نفخت في قالبها روح الاستخدام والاستثمار، وهو الاستكبار الإنساني الذي يجعل كل شيء تحت إرادة الإنسان وعمله، حتى الإنسان بالنسبة الى الإنسان، ويبيح له طريق الوصول إليه والتسلط على ما يهواه ويأمله منه لنفسه. وهذا بعينه هو الاستبداد الملوكي في الأعصار السالفة، وقد ظهرت في زي الاجتماع المدني على ماهو نصب أعيننا اليوم من مظالم الملل القوية، وإجحافاتهم وتحكماتهم بالنسبة الى الأمم الضعيفة، وعلى ما هو في ذكرنا من أعمالهم المضبوطة في التواريخ.
فقد كان الواحد من الفراعنة والقياصرة والأكاسرة يجري في ضعفاء عهده بتحكّمه ولعبه كلّ ما يريده ويهواه. ويعتذر- لو اعتذر- أنَّ ذلك من شؤون السلطنة ولصلاح المملكة وتحكيم أساس الدولة. ويعتقد أنَّ ذلك حقّ نبوغه وسيادته، ويستدل عليه بسيفه؛ كذلك إذا تعمقت في المرابطات السياسية الدائرة بين أقوياء الامم وضعفائهم اليوم، وجدت أنَّ التاريخ وحوادثه كرّت علينا ولن تزال تكرّ، غير إنها أبدلت الشكل السابق الفردي بالشكل الحاضر الاجتماعي، والروح هي الروح، والهوى هو الهوى. وأمّا الاسلام فطريقته بريئة من هذه الأهواء، ودليله السيرة النبوية في فتوحاته وعهوده". [١]آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي(دام ظله)، التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - تهران، چاپ: دوم، ١٤١٣.
التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده ؛ ج٩ ؛ ص٦٣
ذا استعرضنا جانباً من النصوص الاسلامية حول الولاية وأخلاقيات الولاة، نعرف كيف أنها تنسجم مع أصول هذه الولاية، ومدى فرقها عن ولاية الطغاة. وفيما يلي نقرء معاً بعض هذه النصوص من كلمات الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، الذي كانت سيرته في الحكم تطبيقاً لهذه الكلمات وأكثر، ونذكرها من دون تعليق اتباعاً لمنهج الاختصار:
أ- رغب الإمام عليه السلام الولاة بالاهتمام بالرعية، فقال:" وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبّة لهم، واللطف بهم، ولا تكوننّ عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم المِلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحبّ وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنك فوقهم، ووالي الأمر عليك فوقك، والله فوق من ولّاك". [٢]
ب- وجعل الإمام عليه السلام ثلاث مسؤوليات كبرى على الولاة، حيث قال:" ليس
[١] ميزان الحكمة، ج ١٠، ص ٧٣١.
[٢] المصدر، ص ٧٣٩، ح ٢٢٤٩٩.