التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٥٣ - فقه الآيات
ينظر الى طعامه، فيختار من أزكاه رزقاً مناسباً لحاجته، من دون قتر أو إسراف. ينظر الى مواقيته فينظمها بدقة، ويقدر لكل ساعة منها عملًا مناسباً لها. فلا يفرط مثلًا في الدراسة، ولا يهملها لحساب فيلم يحبه. ولا يقتر على نفسه فضيلة العبادة والصلاة التامة، ولا يسرف في النوافل الى حد الارهاق وضياع سائر الواجبات. وهكذا في نومه فلا يقلله الى حد التفريط ولا يكثر منه الى حد تعطيل حياته، بل يقدره تقديراً حسناً. ينظم أوقات اليقظة والمنام حسب حاجات جسمه، وحسب فرائض يومه.
وهكذا يهتم بصحته من دون وساوس فيها، ويهتم بأمنه من دون الاصابة بالتردد والهلع، ويهتم بزوجه وذريته بقدر الحاجة بلا افراط ولا تفريط. فهو دائماً يقدر أموره الحياتية حسب طاقاته، وحسب ما يقدره من حاجة كل مورد مورد منها.
وإذا احتاج الى السياحة، فإنه يختار الأنفع لجسمه وعقله ودينه. وهكذا يكون حسن التقدير رائداً.
٣/ في مواقفه من الناس، ومن التيارات الاجتماعية، وفي علاقاته مع ذوي قرباه والمرتبطين به، يتمتع المؤمن بتقدير حسن. فلا يفرط في حبه أو بغضه، قربه أو بعده من هذا التيار أو ذاك؛ من هذا الشخص أو ذاك من قراباته؛ بل يقدر استحقاق هذا أو ذاك من التيارات والاشخاص من حبه وقربه، أو بغضه وشنآنه، حسب قيمه ومصالحه، وليس حسب إحساسه وعواطفه.
٤/ وفي تدبير معيشته يتمتع المؤمن بتقدير حسن لموارده ومصارفه. فيكون له ميزانية رشيدة لسنته بلا سرف أو قتر، وبلا إستجابة لضغط أهله أو عواطفه، وبلا مجاراة مجتمعه وتظاهر بما ليس فيه من غنى يفاخر الآخرين به أو تظاهر بالفقر بهدف تضييع حقوق الناس.
إن التقدير في المعيشة يوفر للإنسان الكثير من راحة البال، والاستقرار وعدم الوقوع في المهالك.
٤/ وكما عند الفرد، كذلك في المجتمع الرشيد، يؤدي التقدير الحسن الى الاستقرار وتجنب الوقوع في الأزمات. ومن الأزمات ما تدمر المجتمع تدميراً، مما يجعل التقدير ضرورة قصوى شريطة أن يكون قائماً على أساس حساب الحاجات والطموحات من جهة، وحساب الطاقات المتوفرة والفرص المتاحة من جهة ثانية، ثم التخطيط وفق استحقاقات كل حاجة أو طموح ودرجة أهميته.
ويؤدي التخطيط السليم دوراً أساسياً في التنمية، وفي الدفاع عن مصالح الأمة. وترى اليوم تتسابق الدول الى وضع خطة تنموية خماسية، ووضع خطط دفاعية طويلة المدة.
وعلينا أن نكون الأقدر من بين الأمم على وضع مثل هذه الخطط، والتمسك بمفرداتها بدقة، والله المستعان.