التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٤٧ - ثانيا التقدير سنة إلهية
ونستوحي من السورة أنّ مصير البشر يتحدد في ليلة القدر، التي هي خير من عمر ممتد ثمانين سنة ونيفاً. فينبغي لمن أراد السعادة والفلاح، أن يستدر رحمة الله في هذه الليلة، ليكون من السعداء.
٨/ ومن أبعاد التقدير الإلهي، تقديره أقوات الأرض في أربعة أيام. قال الله سبحانه: (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ اقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِلسَّآئِلِينَ) (فصلت/ ١٠).
ونستلهم من الآية؛ إن لكل شيء رزقاً مقدراً معلوماً، يحافظ على بقائه، حتى الجمادات.
٩/ وتقدير الله سبحانه للأشياء يقتضي أن يكون لكل شيء أجل معلوم، وبالذات فيما يتصل بخلقة البشر من نطفة يحفظها في الرحم الى وقت معلوم. قال الله تعالى: (أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِن مَآءٍ مَهِينٍ* فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ* إلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ* فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) (المرسلات/ ٢٠- ٢٣).
١٠/ ومن تجليات تقديره في الخلق، أنه جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً. قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَآءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الايَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (يونس/ ٥).
١١/ وقال الله تعالى: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) (يس/ ٣٩).
ألا ترى أن الله الذي خلق الشمس والقمر، هو الذي خلق الانسان وقدر له الاستضاءة بنور الشمس التي جعلها نوراً. وتحديد أوقات الليل والنهار حسب منازل القمر، ليعرف عدد السنين والحساب. إن ذلك يهدينا إلى أن الله إنما خلق الخلق بالحق، وعلينا أن نعي حقانية الخلق، فلا نجعل حياتنا ميداناً للهو واللعب والباطل.
١٢/ ومن أبعاد تقديره، أنه ينزل من السماء ماء بقدر. قال الله سبحانه: (وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَآءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) (القمر/ ١٢).
١٣/ ومن تجليات تقديره، أنه يرزق من يشاء، بما يشاء. فهو يبسط لمن يشاء الرزق، ويقدر عمن يشاء. ولهذا التقدير حكمته، وإن الذين لا يرضون بذلك في ضلال مبين تماماً. كما كان أصحاب قارون، الذين تمنوا أن يكونوا مثله، فلما خسف الله به وبداره الأرض صعقوا، وقالوا ما أخبر عنه ربنا سبحانه بقوله: (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالامْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يُبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلآ أَن مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) (القصص/ ٨٢).