التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٣٥ - أولا كل شيء بحسبان
بلى؛ وحركات قلبه وأنشطة كبده ورأته وجريان دمه وعدد أنفاسه وتموجات أعصابه ومواد جسمه وكل شيء فيه محسوب. وكلما إخترعنا وسائل أكثر دقة في قياس العدد والزمن والكم والكيف، كلّما رأينا من آيات ربنا في أنفسنا عجباً، حيث كانت الدقة في آماد أجسامنا أكثر وأسرع.
والله سبحانه يعلم مكيال البحار، وذرات الرمال في القفار، ووزن الهواء في السماء، ووزن الضياء المنبعث من النجوم .. ويحيط علماً بكل مثقال ذرة من خردل من أعمالنا وهواجسنا ونياتنا. فأين نفلت من الحساب؟ أوَ لم يقل ربنا سبحانه:
٣/ (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء/ ٤٧)
٤/ وقال الله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (ق/ ١٦)
٥/ وهو القائل عزّ وجلّ: (لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة/ ٢٨٤)
فنحن إذاً في قبضة الحساب، منذ بدء النية في نفوسنا ونشاط الفكر في عقولنا، إلى أن نحرك جوارحنا، وحتى اللحظة التي نقترف فيها عملًا.
٦/ وعملنا مكتوب، حيث قال ربنا سبحانه: (بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) (الزخرف/ ٨٠)
٧/ بل إن عملنا مستنسخ. قال الله تعالى: (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَاكُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (الجاثية/ ٢٩)
٨/ وعملنا محفوظ في خزانة الغيب، أوَ لم يقل ربنا: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَءَاثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) (يس/ ١٢)
٩/ ولكلٍّ كتاب؛ فكتاب الفجار في سجّين، وكتاب الأبرار في عليين. قال ربنا سبحانه: (كَلآَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجّينٍ) (المطففين/ ٧)
١٠/ وقال عزّ من قائل: (كَلآَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ) (المطففين/ ١٨)
والله يحيط بكل شيء من حولنا. فهو إذاً سريع الحساب، إذ كل شيء بحضرته، وكل شيء قد أحصي سلفاً، وكل شيء قد قدّر بحسبان.