التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٥ - رابعا التراحم والتواصي بالرحمة
دائرة الفائدة. مثلًا؛ ابتلي بمرض خطير أو عاهة مستمرة أو اعتقل بتهمة سياسية، ففي مثل هذه الحالات تكون الرحمة هي صبغة العلاقة، حيث إن الرحمة إحسان وعطاء من طرف قادر على طرف ضعيف لا يحتاج إليه. كذلك جعل الله سبحانه بين الزوجين مودة ورحمة. قال الله سبحانه: (وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَايَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم/ ٢١)
٤/ والسلطة السياسية أحوج ما تكون الى الرحمة، والتي تفيض منها صفة لين العريكة والعفو والسماح. وهكذا كان النبي محمد صلى الله عليه وآله مثلًا للرحمة في علاقاته مع الأمة، حيث يقول ربنا سبحانه: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران/ ١٥٩)
٥/ والملك الصالح ذو القرنين تميز بالرحمة، حيث أنه بنى السد الكبير بين الجبلين. وقد قال الله عنه: (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِن رَّبِّي فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّآءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً) (الكهف/ ٩٨)
من خلال دراسة مواضع الرحمة، نعرف أنها فيض اليد العليا على الجانب الضعيف. ومن هنا نستطيع أن نقول: إن كل محتاج، موضع للرحمة، كالمريض والفقير والمستضعف سياسياً أو ثقافياً.
٦/ ونستوحي من كلمة الرحم التي اشتقت من الرحمة، أن أقارب الانسان هم من مواضع الرحمة. وهكذا كان أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في التراحم والتوارث بينهم، وتولي مختلف الشؤون. قال الله سبحانه: (وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَاوْلَئِكَ مِنكُمْ وأُوْلُواْ الارْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الانفال/ ٧٥)
رابعاً: التراحم والتواصي بالرحمة
من أبرز صفات أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله، أنهم كانوا رحماء بينهم، وأشداء على الكفار. كما هي من أبرز صفات المؤمنين التواصي بالصبر وبالمرحمة. ذلك أن الإيمان بالله العظيم
يسمو بالانسان الى درجة السكينة والاستواء في الخلق، والاحساس بالمسؤولية تجاه الآخرين. وهكذا تفيض أنفسهم بالرحمة.