التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٢ - أولا في الدين والثقافة
وقد تعددت جبهات الصراع، وامتدت في آفاق متمادية، وعلينا دراستها جميعاً، لأنه من دون القضاء على الطبقية وحميّتها المتعددة الصور والأشكال، لا تسلم كرامة الإنسان، ولا يكتمل شرفه الرفيع. ولكن قبل دراسة هذه الآفاق دعنا نبلور بصيرة هامة، هي؛ إن الله قد سخَّر الطبيعة للإنسان، فإذا أصبح الانسان مسخراً لها فهناك الكارثة والطبقية- في جوهرها- تلك الكارثة، إذ الإنسان قد يملك من الثروة أكثر من طاقته، فتصبح الثروة هي التي تمتلكه، وتسحق كرامته. ثم يسعى لتعميم هذه الظاهرة على الآخرين، فإذا به يصبح أداة للثروة في سحق كرامة البشر ومسخ شخصيتهم، كما الثروة فعلت ذلك به أولًا. فأضحى لا ينظر إلّا عبر منظارها، ولا يعمل إلَّا من أجلها، ولا يسعد إلَّا بالاستزادة منها.
ونستفيد هذه البصيرة من قوله سبحانه: (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ اولُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَآ اتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ) (هود/ ١١٦)، حيث نستوحي من الآية؛ إن ما أترفوا فيه؛ أي ما أوتوه من نعم الله
أصبح هو قائدهم، فاتبعوه وكانوا مجرمين. بينما كان من المفروض ان يتحصنوا بالتقوى، ويحافظوا على استقلالهم ضد الثروة أو القوة أو أي نعمة أترفوا فيها، حتى لا تكون هي التي تقودهم من دون الله. ورسالات الله جاهدت هذه العلاقة المعكوسة، حيث أرادت للإنسان أن يبقى سيد الخليقة في الأرض، يسخرها لسعادته وكرامته دون ان تكون الطبيعة سيدته.
أمَّا آفاق العصبية الطبقية، فهي التالية:
أولًا: في الدين والثقافة.
أ- أين ينبغي أن يجعل الله رسالته؟
يزعم المترفون إنما عند الأغنياء، لأن الثروة عندهم هي القيمة الأسمى. ومن هنا قالوا: لماذا الرسول يحتاج إلى السير في الأسواق لتأمين معاشه اليومي؟ قال الله سبحانه: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الاسْوَاقِ لَوْلآ انزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً* أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُوراً) (الفرقان/ ٧- ٨)
ب- ولذلك كان المترفون يكفرون بالرسل، حيث يقول الله سبحانه: (وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ ارْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ) (سبَأ/ ٣٤)