التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٧ - ثانيا نبذ التمييز العنصري
أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [١]
ثانياً: نبذ التمييز العنصري
يبدو أن أول ما افتخر به الناس بينهم وحاولوا التسلط على بعضهم به، هو الإنتساب إلى أسرة أو عشيرة أو قبيلة أو شعب، مما سمّاه الكتاب الكريم بالحمية الجاهلية. ولا تزال البشرية تعاني من آثار هذه الحمية التي تعرقل التقدم الحضاري، الذي ينشده الإنسان في ظل القيم المثلى، والتي تتلخص في الإيمان والعمل الصالح (التقوى).
والإنسان يتعصب لذاته ثم لأسرته ثم لعشيرته، وهكذا تتوالى حلقات التعصب، وكلما ابتعدت عن ذاته ضعفت، وهي جميعاً حمية جاهلية لأنها لا تستند إلى قيمة مثلى، بل إلى عصبية فارغة من أي محتوى، وقد واجهت رسالات الله هذه الحميات بقوة واقتدار.
١/ تمثلت العنصرية في بني إسرائيل، وتغلفت بالافتراء على الله، وألبست مسوح الدين كذباً ودجلًا، حتى قالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه، فقال الله سبحانه لهم: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَآءُ اللّهِ وَأَحِبَّآؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنْتُم بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) (المائدة/ ١٨)
ويبدو أن هذه النزعة ابتدأت عنصرية، ثم التمس أصحابها لها عذراً وتبريراً فتكرست في أنفسهم مما جعل تصحيحها مستصعباً.
٢/ وشاعت العصبية في العرب؛ سواءً بين قبائلها، أو ضد سائر الشعوب التي أسموها بالأعاجم، كما سموا بذلك البهائم. أوليس العرب لا تفهم رطنة الأعاجم، كما لا تفهم رغاء البهائم؟ فقال الله لهم: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْءَاناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَاتُهُ ءَأَعْجَمِيٍّ وَعَرَبيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا هُدًى وَشِفَآءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ) (فصلت/ ٤٤)
لو أن القرآن كان قد أنزل بلغة غير العرب، لاعتذروا عن كفرهم بأن آياته غير واضحة لهم. فهل يختلف الهدى أن يبين بأية لغة، أو يختلف الدواء أن يكون في أي وعاء؟ كلا؛ إن
[١] تفسير نور الثقلين، ج ٥، ص ٩٦.