التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤١ - وحدة البشر في أصل الخلقة
وحدة البشر في أصل الخلقة
تقتلع البصيرة القرآنية جذور الشرك من النفس البشرية الضعيفة والجاهلة، والتي قد ترى في القوة أو الثروة أو الجمال أو العلم وسائر الفضائل دليلًا على تمايز حقيقي بين إنسان وآخر.
كلا؛ إن البشر قد خلقوا جميعاً من الماء؛ من تراب؛ من صلصال؛ من حمأً مسنون؛ من نفس واحدة، وجعل منها زوجها من ذكر وأنثى. وحتى قادة البشر الانبياء عليهم السلام، إنما هم بشر وإن ما يفضلهم الوحي.
إن هذه البصيرة التي تمهد السبيل الى عولمة القيم المثلى، وتكرّس حقوق البشر بأمثل ما تصبوا اليه المبادئ الأخلاقية، إنها ركيزة أساسية من ركائز التشريعات الاسلامية.
تعال نتدبر في بعض آيات القرآن الكريم التي تهدي الى هذه البصيرة الفذة:
١/ كما خلق الله الأحياء جميعاً من الماء، خلق الانسان من الماء ثم أسكنه الأصلاب والأرحام، لكي تتواصل وشائج القربى ووسائل التعارف والتعاون، فقال الله سبحانه: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً) (الفرقان/ ٥٤).
وهكذا انتظمت الصلة بين الأقارب بالنسب حيناً (الأب والأم والأخت، وهكذا ..)، وبالسبب حيناً (الزوج والزوجة والصهر، وهكذا ..).
والماء واحد، والبشر واحد في الأصل، وإنما الاختلاف في الصور الخارجية.
٢/ وفي مرحلة ثانية، خلق الله البشر من تراب، فقال سبحانه: (وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَآ أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ) (الروم/ ٢٠)
كيف خلق الله البشر من تراب؟ هل خلق أبينا آدم منه ثم جعلنا من نسله، أم إنه خلق كل البشر في صورة ذر ثم أودعها الأصلاب والأرحام، أم ماذا.؟
أنى كانت فان الحقيقة الظاهرة إن الناس جميعاً قد خلقوا من تراب، فلا تمايز عنصري بينهم.