التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٨ - باء الانسان ذلك الكريم
٦/ والله سبحانه يكرم أهل التقوى، ويجعل أتقى الناس أكرمهم عنده، حيث قال سبحانه: (يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَانثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات/ ١٣)
فاذا كان الهدف من تنوع فئات البشر في إطار الشعوب والقبائل، التعارف والاعتراف المتبادل ببعضهم، تمهيداً لطريق التعاون واستباق الخيرات والمسارعة الى مغفرة من الله وجنة عرضها كعرض السموات والأرض. فان الأكرم عند الله منهم هو الأقرب الى الله باتباع شرائعه، وهو الأتقى. ولعل حقيقة التقوى هي الاهتداء الى الله والايمان به ومعرفة مراضيه والاجتهاد فيها.
٧/ وعلينا أن نكرم من أكرمه الله؛ الأنبياء والشهداء والمتقين، الأمثل فالأمثل. كما أن علينا أن نكرم سائر عباده، كل بقدر إكرام الله له؛ نكرم الآباء والأولاد والأزواج، ونكرم الضيف، حيث قال سبحانه: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ) (الذاريات/ ٢٤)
وقد جاء في حديث عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام:" حبّب إليَّ الصوم بالصيف، وقرى الضيف، والضرب في سبيل الله بالسيف". [١]
وقد جاء في حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وآله:" الخلق كُلّهم عيال الله، فأحبهم الى الله عز وجل أنفقهم لعياله". [٢]
٩/ وممن أمرنا باكرامهم اليتيم، لأنه بحاجة الى العطف والعاطفة؛ الى الرحمة والحب؛ الى العطاء والحنان. فلا يكفي إشباع جوعته، وإكساء عورته، وتوفير ضرورات حياته. إنما هو بحاجة ماسة الى الكرامة التي كان يجدها عند والديه، تلك الكرامة الانسانية التي جعلها الله حقاً لكل إنسان، وجعل من وسائل توفرها ظلال الوالد الرؤوف والأم الحنون.
من هنا عاب كتاب ربنا قوماً جعلوا المال كل شيء في حياتهم، فإذا أغناهم الله من فضله زعموا أن الله قد أكرمهم.
بلى؛ إن النعمة كرامة، ولكن بشرطها وشروطها، ومن شروطها أن يطيب مكسبها، ويحسن صاحبها التصرف فيها، ولا يُصبح عبداً لها. فاذا إمتلكت بيتاً من كسب شريف، ثم جعلته مأوى لكل ضعيف، ولم تبطر به الى درجة الغرور والكبر، فان البيت نعمة وأية نعمة.
[١] مستدرك الوسائل، ج ٧، ص ٥٠٥، ح ٥.
[٢] الحياة، ج ١، ص ٤٠٠، ح ١.