التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٦ - باء الانسان ذلك الكريم
فإن الله سبحانه لم يحوج الزوج الى زوجته إلّا بقدر ما جعلها محتاجة إليه، لكي لا يهان أحد بالافتقار الى الثاني. وتلك من أمثلة الكرامة، ليس في البشر فقط، وإنما في كل زوجين خلقهما الله سبحانه.
٣/ وكذلك استأدى ربنا ميثاق فطرتنا، واستثار في وجداننا ما أغرز فيه من حب الوالدين الذين هما قناة انهمار نعمه سبحانه علينا، وفرض علينا شكرهما واكرامهما. فقال تعالى في سورة لقمان: (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ امُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) (لقمان/ ١٤)، وقال تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ الَّا تَعْبُدُوا إِلآَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَهُمَآ افٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَهُمَا قَوْلًا كَرِيماً) (الاسراء/ ٢٣)
كيف نكرم الوالدين، أليس باحترامهما وبالسعي الدائب في قضاء حوائجهما؟ كذلك الاكرام حيث تتوضح لدينا من هذه الأمثلة حقائق الكرامة، ومعانيها اللطيفة.
باء: الانسان ذلك الكريم
ولقد أكرم الله بني آدم بكرامات عامة وأخرى خاصة.
١/ لقد سخّر الله لبني آدم قوى الطبيعة بما وهب لهم من قدرات، لم يعطها لغيرهم من الأحياء على الأرض. فقال سبحانه: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (الاسراء/ ٧٠)
لقد وهب الله للانسان العقل والارادة، وخلقه خلقاً سوياً؛ ساعده كل ذلك على تسخير الطبيعة، والهيمنة على سائر الأحياء. فامتطى صهوة الريح بالطائرات، وخاض عباب البحر بالسفن العابرة للقارات، وفلق الذرة وغزى الفضاء واستفاد من أطيب اللحوم والثمرات .. إنها تكريم عظيم.
٢/ وكرّم بني آدم بالهداية بالرسل والكتب، وكذلك بالشرائع التي نظمت حياتهم الاجتماعية ووفرت لهم فرصة بناء الحضارات الشامخة.
إن الله سبحانه أكرم بني آدم كرامة بالغة حينما أمره بعبادته وحده، ونبذ عبادة الطبيعة أو عبادة بعضهم لبعض. أوليس ذلك تعالياً للبشر الى أعلى مستوى ممكن، حيث أغناهم بعبادته عن عبادة ما سواه؟ قال الله سبحانه على لسان يوسف الصديق: (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابآءِي