التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٨ - ثالثا حقائق التطلع
الجانب. وهذا التطلع يتناغم وتطلع كل مؤمن في أن يبلغ أقصى كمال مستطاع، وأسمى درجة ممكنة .. إذ ان تطلع الأمة ينعكس على تطلع أبناءها، كما أن تطلعات أبناءها تخدم طموحاتها. والله المستعان.
ثالثاً: حقائق التطلع
تتلخص حقائق التطلع في كلمة جامعة يكررها المؤمن في دعائه، وهي التي نتلوها في قوله سبحانه: (رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (البقرة/ ٢٠١)
فأي حُسن في الآخرة أو في الدنيا مطلوب للمؤمن؟ وتفصل الأدعية المأثورة هذه الكلمة الحكيمة عبر عشرات الحقائق التي تمثل الحُسن في الدنيا وفي الآخرة، وتشكل جانباً من تطلع الإنسان المؤمن.
وقبل أن نستعرض جانباً من هذه التطلعات السامية، نشير الى حكمة الخلق كما استفدناها من الآيات والأحاديث، وهي الرحمة التي وسيلتها العبادة، وابتغاء الوسائل الى الله، حيث يقول ربنا سبحانه: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ* مَآ ارِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ ارِيدُ أَن يُطْعِمُونِ* إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (الذاريات/ ٥٦- ٥٨)
فاذاً كلما استدر البشر رحمةً من ربه وابتغى فضلًا منه، فقد حقق المزيد من حكمة خلقه. فالله لا يريد بعبادته أن يُطعَم، بل يريد أن يُطعِم؛ ولا يريد منك رزقاً، بل هو الرزاق الذي خلقك ليرحمك؛ ودعاك إلى عبادته ليزيد من فضله عليك، وهو الذي لا تزيده كثرة العطاء إلّا جوداً وكرماً ..
في إطار هذه الحكمة، نجد الأمر بالدعاء لأنه من وسائل استدرار رحمة الرب، كما نجد النهي عن الاستكبار عنه. قال الله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (غافر/ ٦٠)
وفي إطار هذه الحكمة أيضاً تأتي سلسلة التطلعات التي نشير إليها، فما هي تلك التطلعات؟ إنها باجمال؛ الايمان الذي يباشر القلب ويبقى حتى لقاء الرب، والتقوى والورع واليقين ومكارم الأخلاق والنجاة من النار والفوز بالجنة والرضوان ومرافقة الأنبياء.
وإنها أيضاً سلامة البدن والعافية من جميع البلاء، والشكر على العافية، والأمن في الوطن، والعيش الرغد، والزوجة المطيعة، والذرية الصالحة.
وإثارة هذه الحقائق التي هي قيم الحياة وألوانها المثلى؛ إثارتها في الآيات القرآنية والأدعية المأثورة تتناغم مع الفطرة البشرية التي تنطوي أصلًا عليها، وبإثارتها تتبلور أكثر فأكثر.