التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٤ - دال الخوف من الطبيعة
على شؤون الإنسان، مما يستدعيه صفة الربوبية. ثم ذكرهم بأن بزوغ القمر لا يكفي في إثبات الربوبية ما دام هو الآخر آفلًا، وأن الرب هو الذي ينبغي أن يهدي المربوبين الى معرفته. أوليس الرب يهيمن على شؤون مربوبيه، أوليست الهداية منه؟ وهكذا لا بد أن تأتي الحجة من عنده على معرفته، والله سبحانه (وليس القمر) يدل على ذاته بذاته ويشهد على وحدانيته، وأنه القائم بالقسط. وفي المرتبة الأخيرة أعلن النبي ابراهيم عليه السلام أنه بريء من شركهم ومما يشركون به، وذلك حينما جاراهم في ربوبية الشمس ثم تحداهم عندما أفلت. وفي هذه اللحظة ذكرهم بفاطر السماوات والأرض، الذي لم يتخذ شريكاً من خلقه. أوليس قد فطرهما وما يحتويان جميعاً، فكيف يكون له منهما شريك وهم مخلوقون مربوبون مسخرون بأمره، يطلع الطالع منهم بأمره سبحانه، ويأفل بقهره تعالى عما يشركون؟
٢/ ولم يستجب قوم النبي إبراهيم عليه السلام لفطرتهم، لأنها كانت محجوبة بالخوف من الظواهر الطبيعية التي قدسوها خشية منها على أنفسهم، ولذلك تراهم يحذرونه بألّا يكفر بالشمس وبالقمر ولا بالكوكب .. لأنها قد تسبب له أذىً. أما النبي إبراهيم عليه السلام فقد تحداهم بأن الله أحق بالخشية مما خلقه. قال الله سبحانه: (وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَآجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلآ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلآَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ) (الانعام/ ٨٠)
٣/ وأخيراً ذكرهم بأن الذي يعيش في ظلال التوحيد، ويأوي الى ركن الحنفية، هو الجدير بالأمن لا الذي يشرك بربه مالم ينزل به سلطاناً. قال الله سبحانه: (وكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللّهِ مَالَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَايُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ* الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ اوْلئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُهْتَدُونَ) (الانعام/ ٨١- ٨٢)
وهكذا نستوحي أن الدين الحنيف الذي لا يلبس بالشرك، يقي الإنسان من خشية ما في الطبيعة من أشياء، ويفك قيد هذا الأصر الثقيل من جوانح الإنسان، حتى ينطلق قدماً في تسخير ما في الأرض ..
واليوم حيث يسخر الإنسان النار والحديد وسائر المعادن، ويفتق الذرة ويهندس الجينات، ويسبر غور المحيطات، وينفذ في أقطار السماوات والأرض بإذن الله؛ اليوم نعرف مدى أهمية نزع قيد الخوف من الطبيعة، الذي أمر به الدين الاسلامي وهدى إليه كتاب الله الكريم ..