التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢١ - باء الجبت
وكان يشكو الى ربه من النفس الأمارة بالسوء، فيقول:" الهي إليكَ أشكو نفساً بالسوءِ أمارة، وإلى الخطيئة مبادرة، وبمعاصيك مولَعة، ولِسَخَطك متعرّضةً، تَسلكُ بي مسالك المهالك، وتجعلني عندك أهون هالك، كثيرة العلل، طويلة الأمل إن مسّها الشرُّ تجزع، وإن مسّها الخيرُ تمنع، ميالةً الى اللعبِ واللهو، مملوّةً بالغفلة والسهوِ، تُسرع بي الى الحوبة، وتُسوّفني التوبة". [١]
هكذا يفك المؤمن أغلال نفسه بالاستجارة بالله منها، وبالاستعانة به عليها، وبالعزم على التوبة إلى الله، تلك التوبة التي تطهر القلب من إصر الهوى، وغل اللهو والسهو واللعب والغفلة، والتعلل بالاعاذير والتربص والتسويف، وبالهلع والجزع والبخل والمنع .. هذه الأغلال هي التي تتساقط بالتوبة، ويتحرر القلب، ويندفع الإنسان نحو الجد والاجتهاد والتعالي باذن الله تعالى.
باء: الجبت
نفس البشر معقدة، وهي قادرة على خداع الذات، وهي أكثر شيء جدلًا وعقدة، لها تخوم وتخوم. وبالكاد يستطيع الإنسان إستكشاف نفسه، فكيف بنفسية غيره؟ ومن عقدها تغطية أهواءها الذاتية بالحميات، التي يلبسها لباس القداسة والتقدير، ويعبدها من دون الله. وقد يضع لها رموزاً وأسماءً وأصناماً، فيحبها أشد من حب الله. ولعل ذلك معنى الجبت، والتخلص منها شرط التحرر في رحاب التعالي. فما هو السبيل إلى ذلك؟
علينا أن نعرف الجبت ومصاديقه، ومن ثم نتخلص منه.
فالحسد والبخل، وعصبية الأسرة، وإتباع الآباء، وحمية العشيرة والتمسك بعادتها، والعنصرية والتأثر بثقافتها، والطبقية والتقيد بأفكارها، والقومية والوطنية وطاعة رموزهما طاعة عمياء .. كل ذلك أغلال تقيد حركة البشر، كما تحجب عقله وتمنعه من التفكير السليم.
وقد ذكر الإمام زين العابدين عليه السلام هذه الصفات، واعتبرها ألواناً من الظلم الذي يرتكبه الفرد بحق الناس واستغفر الله منها، وقال في بعض أدعيته:" وأسألك في مظالم عبادك عندي، فأيُّما عبد من عبيدك أو أمة من إمائك كانت له قبلي مظلمة ظلمتها إياه في نفسه، أو في عرضه، أو في ماله، أو في أهله وولده، أو غيبة اغتبته بها، أو تحامل عليه بميل أو هوى أو أنفة أو حمية أو رياء أو عصبية، غائباً كان أو شاهداً، وحياً كان أو ميتاً، فقصرت يدي، وضاق وسعي
[١] مفاتيح الجنان، مناجاة الشاكين، ص ١١٩.