التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٠ - ألف الهوى
والاجتهاد، ويستمر في هذه الأماني التي يخدع نفسه بها الى الأبد. كما كانت الحال عند اليهود، الذين قالوا بأن الله لا يعذبهم إلَّا أياماً معدودة (لأنهم أبناء الله وأحباؤه). وأخيراً ترى هؤلاء يتبعون الشيطان، الذي يتولونه، ويستولي على مشاعرهم. وهذه هي البصائر التي نستوحيها من قوله سبحانه: (يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) (الحديد/ ١٤)
ومن هذه العاقبة السوئى يحذرنا الإمام علي عليه السلام، حين يقول:" لا تجعلوا عِلمَكُم جهلًا، ويقينَكُم شكّاً. إذا عَلِمْتُم فاعمَلُوا، وإذا تيقّنتُم فأَقدِموا". [١]
من هنا نقرء في الأدعية المأثورة الاستعاذة بالله سبحانه من تلك الأغلال التي يضعها الهوى في عنق البشر، يقول الامام الباقر عليه السلام:" اللهم إني أعوذ بك من الكسل والفشل، والهم والجبن، والبخل والغفلة، والقسوة والمسكنة". [٢]
٤/ وفي سورة الحديد كما في كثير من سور الذكر الحكيم، آيات لو ألقى الإنسان سمعه لها ووعاها، لتخلص من إصر الهوى وأغلال الشهوات باذن الله؛ لأنها تذكّرهُ بالله العظيم وبنعمة الجنة التي يدعوه إليها، ويحرضه على التصدق والجهاد، ويهوّن عليه شأن الدنيا التي ليست إلَّا متاع الغرور. يقول ربنا سبحانه: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ اوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الامَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ* اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الايَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ* إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضَاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ) (الحديد/ ١٦- ١٨)
وجملة القول؛ إن الله أنزل كتاباً يحيي القلب بإذن الله، لو شاء صاحبه وسعى سعيه لأجله، ويفك بذلك أغلاله ويتسامى الى حيث النور. وقد أبلغ سيد الساجدين الإمام علي بن الحسين عليه السلام في بيان هذه البصيرة عندما ناجى ربه قائلًا:" الهي ألبستني الخطايا ثوبَ مذلّتي، وجلّلني التباعدُ منك لباسَ مسكنتي، وأماتَ قلبي عظيمُ جنايتي، فاحْيِه بتوبةٍ منك يا أملي وبُغيتي، ويا سؤلي ومُنيتي". [٣]
[١] نهج البلاغة، قصار الحكم، رقم ٢٧٤.
[٢] مفاتيح الجنان، ص ٣٥٩.
[٣] مفاتيح الجنان، مناجاة التائبين، ص ١١٨.