التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٠ - رابعا نكث الأيمان
وفي الشؤون الاقتصادية أو السياسية أو في علاقاتهم الأسرية يتمسك المسلمون بقيمة التوحيد، ولا يشترون بإيمانهم ثمناً قليلًا من عرض الدنيا. هكذا أدّبهم القرآن، حيث يقول ربنا سبحانه: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الإيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَاتَفْعَلُونَ) (النحل/ ٩١)
وقد جاء في (المجازات النبوية) قوله صلى الله عليه وآله:" اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع". [١]
٢/ ولكن لماذا تنقض اليمين من قبل الناس، أوليس بهدف التعالي على بعضهم البعض، وإذا سقط المجتمع في وهدة الصراعات، وكانت كل طائفة منهم تريد ان تكون هي الأربى والأعلى، ولو على حساب سائر الطوائف، فهناك يستسيغون إتخاذ الإيمان دخلًا بينهم، فيقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، ويمارسون الغدر ببعضهم، يقول ربنا سبحانه: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ إيمانكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ امَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ امَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (النحل/ ٩٢)
وقصة خرقاء قريش التي كانت تغزل هي وجواريها عرض النهار، فاذا أمست نقضت غزلها أنكاثاً؛ هذه القصة تنطبق على تلك الأمة التي تغزل حبال الوحدة بالإيمان، ثم تنقضها بالغدر بحثاً عن التسلط الزائف على بعضهم. وبذلك يهدمون صرح الأمة الواحدة، حتى أصبحوا كما قال الشاعر:
وتفرقوا شيعاً فكل قبيلة
فيها أمير المؤمنين ومنبر
٣/ ومرة أخرى ينهى ربنا سبحانه عن الدخل في الأيمان والخدعة فيها والخيانة، حيث يقول: (وَلَا تَتَّخِذُوا إيمانكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النحل/ ٩٤)
ونستوحي من الآية، الأضرار الكبيرة التي تلحق بمن يتخذ اليمين وسيلة الخداع:
أ- تزل قدم صاحب الخيانة؛ وأي فائدة في دين لا يثبت أمام فتنة الدنيا، وقدم لا تثبت في مواجهة إغراء المادة؟
ب- إذا انهدم أساس المجتمع وانهار بناؤه، فان السوء يعم الناس جميعاً. وإذا بسبيل الله الذي يؤدي الى التعاون واشاعة المعروف ومن ثم انتشار الرحمة، ينغلق بفعل اليمين الكاذبة. وإذا البلاد تعود بلاقع، لأنه يتزلزل أساس المدنية، وهو الثقة والتعاون بين الناس.
[١] وسائل الشيعة، ج ١٦، ص ١٤٩، ح ١٩.