التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩ - سد المعاذير
٩/ وهكذا ينهار نظام التبرير واختراع المعاذير، إذا عرف الإنسان إن نظام الخليقة قائم على الحق، وليس على التمني. فبمجرد أن يحلم المجرم بالخلاص من العقاب، لأنه من قوم معين (مثل أن يكون من بني اسرائيل) أو لأنه قدم خدمة معينة (كبناء مسجد أو سقاية الحاج) لا يغير من سنة الجزاء شيئاً، إنما السعي هو قاعدة الجزاء. قال الله سبحانه: (أَم لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى* فَلِلَّهِ الأَخِرَةُ وَالأُولَى* وَكَم مِن مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَى) (النجم/ ٢٤- ٢٦)
في هذه الآيات نعرف أن الحق وليس التمني هو قاعدة الجزاء، وإن الشفاعة لا تنفع إلّا لمن أذن الله وشاء ورضي.
١٠/ وقال الله سبحانه: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَآءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) (النجم/ ٣١)
وهكذا يذكرنا القرآن أن ملكوت الله سبحانه وتعالى، التي وسعت السموات والأرض، (ملكوت عدل وحق) ولذلك فانه يجزي المسيء بما عمل، والمحسن بالحسنى.
١١/ وقال الله تعالى: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى* وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى* أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى* وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى* وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى* ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزَآءَ الأَوْفَى) (النجم/ ٣٦- ٤١)
وهكذا كانت شرائع الله جميعاً تؤكد على سنة المسؤولية، التي تعني ألّا تزر وازرة وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. فالسعي وليس التمني، والسعي وليست شفاعة أحد من دون الله، والسعي وليس الظن، هو قاعدة الجزاء. وهذه هي حقيقة المسؤولية.
١٢/ والمسؤولية الانسانية لا تخص مساعيه، وإنما تشمل فكره. فالإنسان مسؤول عن ضلاله أو هداه. فمن إهتدى (بالبحث عن الحق ثم الايمان به والتسليم له) فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها. قال الله سبحانه: (مَّنِ اهْتَدَى فإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ اخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) (الاسراء/ ١٥)
وقد بيَّنت الأحاديث سنة المسؤولية، حيث جاء في حديث شريف عن الاعمش، عن جعفر بن محمد (الإمام الصادق) عليه السلام، قال فيما وصف لي من شرائع الدين: إن الله لا يكلف نفسا إلّا وسعها، ولا يكلفها فوق طاقتها، وأفعال العباد مخلوقة خلق تقدير لاخلق تكوين، والله