التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٧ - ألف تجنب الغرر والجهالة
القسم الخامس: عيوب الرضا
لكي يتم الرضا عن العقد، لا بد من تطابق النية مع الواقع. وعدم التطابق قد يكون كلياً بحيث لا يمكن تصحيح العقد أبداً، وقد يكون جزئياً فيصح البيع بعد إكمال الرضا مجدداً. وهذا البحث يتناول ألف: تحديد المحل في العقود وتجنب الغرر والجهالة.
باء: بحث الخيارات، حيث يختل الرضا جزئياً فتعطى فرصة للمتعاقد بفسح العقد إذا شاء، أو الرضا به.
وعند بحث الخيارات نذكر أولًا: حقيقتها وجوهرها على إختلاف أنواعها، وثانياً: كيف تسقط.
وبهذا يتم الحديث عن الفصل الأخير في هذه الدراسة بتوفيق الله سبحانه.
ألف: تجنب الغرر والجهالة
الأصل في العقود حرية المتعاقدين فيما يتراضيان عليه، وقد قال الله سبحانه: (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلآَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) (النساء/ ٢٩)، فقد إستثنى التجارة بالتراضي عن أكل الأموال بالباطل مما يهدينا الى أن ذلك ليس باطلًا، لأنه تجارة (أخذ وعطاء) من دون إكراه.
ولعل الفقهاء إستلهموا من هذه الآية قاعدتهم التي اعتمدوا عليها في المعاملات، حيث قالوا: العقود تتبع القصود. وهي تساوي تقريباً القاعدة المعروفة عند خبراء القانوان، والتي تقول: العقد شريعة المتعاقدين.
إلّا أن هناك أسباباً إجتماعية تدعو الى ضبط العقود؛ مثل المنع من الاختلاف، وتسهيل الأمر على البسطاء من الناس، وتحصين أموالهم من أن يخدعوا .. وهكذا وضع فقهاء الشريعة، كما وضع خبراء القانون جملة من الأنظمة في حدود العقود، ومنها منع الجهالة في الكيل والوزن. فكيف كان التراضي أصل للتجارة ثم يشترط الشرع أو القانون أنظمة تحدد التراضي؟
قد يقال: إن هذه الأحكام والأنظمة هي أيضاً إختيارية، فإذا قرر الطرفان التراضي فيما بينهما بطريقة خاصة؛ مثل البيع جزافاً فهذا شأنهما، أما إذا اعتمدا على العرف والفقه والقانون، فإن هناك أنظمة معينة عليهما الإلتزام بها.