التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٣ - د - الإكراه للحق
والخطر الذي يهدده به يجب أن يكون في مستوى العمل الذي يجبره عليه؛ مثلًا لو هدده بهجره لو لم يبع بيته، ولم يكن في هجره له كبير ضرر عليه، فإنه لا يعتبر إكراهاً، لأن بيع بيت السكن لا يقدم عليه الفرد بسهولة. بلى؛ لو قال له إما أن تبيعني قلمك أو أهجرك، وكان صديقاً عزيزاً عليه، وكان لهجره له أذىً نفسياً له، فقد يعتبر ذلك إكراهاً له عند العرف.
كذلك لا يسمى إكراهاً لو قال إما أن تتزوج إبنتي أو أتهمك بأنك معقد. فإن تقبل هذه التهمة أهون عليه من الإبتلاء بزوجة لا يرتضيها.
وفي هذا السياق يقول الأستاذ الكبير الشيخ كاشف الغطاء: إن الأحوط مراعاة التعادل بين ما يخاف على الناس، وبين ما يخافه على نفسه، وإن كان الأقوى عدم وجوبها. [١]
ولكن العلامة النجفي جعل معيار الإكراه في كل مورد معياراً واحداً، حيث قال: ليس هو (الإكراه) إلّا الإلزام والإلجاء من المتسلط الذي يخشى منه على النفس والمال والعرض أو أحدها على وجه لا يتحمل عادة. [٢]
أقول: يبدو أن العرف شاهد إن الإكراه في كل مورد يختلف باعتبار ما يهدد به الظالم وما يأمر به. ومن هنا فقد نفوا الإكراه في الدماء، وجاء في الحديث المشهور: لا تقاة في الدماء.
د- الإكراه للحق
وهنا سؤال: هل يجوز الإكراه للحق؛ كأن يطالب الدائن المدين بالرهن ويهدده بأنه إن لم يفعل فإنه يقدمه للمحكمة، فهل يبطل عقد الرهن لأنه قد أوقعه المدين تحت ضغط التهديد؟
يقول العلامة النجفي: صرّح غير واحد بالصحة معه. [٣]
ويرى القانون أيضاً ذلك، حيث يقول د. السنهوري: إذا كانت الوسائل مشروعة في ذاتها ويراد به الوصول الى غرض مشروع، بأن يضغط شخص على إرادة شخص آخر من طريق المطالبة بحق له عليه، ولا يقصد بهذا الضغط إلّا الوصول الى حقه، فلا يبطل العقد للإكراه. [٤]
[١] جواهر الكلام، ج ٨، ص ٨٨.
[٢] المصدر، ص ٨٧ (ملحوظة: ذكر المؤلف ذلك في باب الإكراه على الولاية).
[٣] المصدر، ص ١٣٨.
[٤] الوسيط، ج ١، ص ٣٤٢.