التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤ - ٣/ الاستباق الى الخيرات
لو أن هذه الثقافة والبصائر الدينية المستوحاة منها كانت قد انتشرت في الأمة من دون تحريف أو تأويل لكانت مشبعة بثقافة الحرية.
ب- ومن أجل الحرية ينبغي أن تجعل في مقدمة قيم الأمة بمستوى أمنها القوي. فلا تبحث عن الرفاه السطحي، والتقدم الصناعي، والتوسع الاقليمي على حساب حريتها.
ج- من ركائز الدفاع عن الحرية؛ الجمعيات الدينية التي تتخذ من القيم الإلهية منطلقاً وإطاراً. وهذه الجمعيات هي- الأكثر قدرة لو أنها تفاعلت- مع حقائق العصر.
د- ومن الركائز؛ الجمعيات السياسية والمهنية والاجتماعية. وكلما تكاثرت هذه الجمعيات في الأمة، كلما استطاعت مقاومة فتنة الطغاة.
٣/ الاستباق الى الخيرات
نستوحي من الآية ٤٨ في سورة المائدة، إن حكمة اختلاف الأمم، الابتلاء. وبالرغم من اختلاف الشرائع والمناهج، فان عليهم جميعاً الاستباق الى الخيرات. وإليك بعض التفصيل في هذه البصائر:
أ- لأن لكل أمة ظروفها المتغيرة؛ مادية ومعنوية، فإن لكل منها شرعة ومنهاج. ولعل الشرعة هي بمثابة الدستور (القوانين الكلية)، بينما المنهاج هو سائر القوانين (التشريعات المفصلة).
ب- وهذا الاختلاف ليس شيئاً، مادام منسجماً مع الأصول العامة التي يهدي إليها الوحي والعقل، وتتفق عليه فطرة البشر كلهم.
ج- والله قادر على أن يجعل الناس أمة واحدة. ولكن هذا الاختلاف يهدف ابتلاءهم فيما آتاهم، واستخراج مكنون ضمائرهم. وهذا الابتلاء يحتمل واحداً من معنيين أو كليهما؛ أولًا: إمتحان الناس ببعضهم لكي يعلم الله مدى تمسكهم بالقيم الدينية، كما قال الله سبحانه: (وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلآَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الاسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً) (الفرقان/ ٢٠). ثانياً: إستخراج طاقاتهم الكامنة بسبب التنافس، حيث إن الصراع يذكي في الانسان روح الاستباق والمسارعة. وهذه الروح حميدة إذا
كانت المسارعة الى الخيرات، حيث قال الله سبحانه: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَاْلأَرْضُ اعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران/ ١٣٣)، وقال سبحانه: (وَلِكُلٍ