التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٩ - ثانيا ربا المعاوضة(الفضل)
من هنا لا يمكن حمل الروايات التي لا تشترط التقابض على التقية، بل العكس قد يكون صحيحاً.
الإتجاه الثالث: ويمكن لنا أن نرد متشابه الأحاديث الى محكم الكتاب. وهذا أحد سبل الجمع بين الأحاديث المختلفة والتي أمرنا بها من قبل الشرع، والمحكم هنا هو قوله سبحانه: (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (البقرة/ ٢٧٥) فما كان رباً فهو حرام. وقد يكون بيع النقد نسيئة رباً فلا يجوز، وقد لا يكون فيجوز. وتفصيل القول؛ إذا كان هدف الطرفين من بيع النقد نسيئة هو البيع ذاته كما يبيع أحدنا أية بضاعة، فلا بأس. كما إذا باع الصراف ألف دولار بسبعمأة جنية مؤجلًا، فلا فرق في ذلك بين أن يكون البيع بأغلى من القيمة السوقية أو بأقل. وإلى ذلك تشير الرواية السابقة التي تقول: إن الذهب وغيره في الشراء والبيع سواء. [١]
أما إذا كان الهدف الإقراض ولكن بصورة البيع وأخذ الربا مما اعتبر العرف أنه ربا فإنه محرم، لأن العبرة ليست بظاهر العقد، بل بواقع العقد. وقد أشار المحدث الحرّ العاملي إلى إحتمال أن يكون البيع بنحو القرض وإن الزيادة تكون من غير شرط، فقال: ويحتمل كون الأخذ بطريق القرض، فإنه يجوز ردّ العوض بحسب التراضي فيما بعد من غير شرط ولو بزيادة. [٢]
وهذا الإتجاه الثالث هو الأقرب الى الأصول التي أمرنا باتباعها، وإن لم نجد عليه شاهداً كافياً من الأحاديث في هذا الباب. وعلى العموم فالاحتياط يقتضي التقابض في كل عقود الصرف.
وعلى أي حال فاشتراط التقابض في المجلس يشمل سائر النقود ولا يختص بالذهب والفضة، بالرغم من أن بعض الفقهاء حصروه بهما جموداً على النصوص. [٣]
ولكن يبدو لي أن المراد من النقدين هنا وفي سائر الأبواب ما يقع ثمناً للمعاملات فيشمل سائر النقود، كما أن حكمة اشتراط التقابض لو عرفناها وهي سد باب الربا تشمل سائر النقود لا أقل من أن ذلك يوافق الاحتياط.
ثانياً: ربا المعاوضة (الفضل)
قال المحقق الحلي في كتاب الشرائع: كل شيئين يتناولهما لفظ خاص، كالحنطة بمثلها والارز بمثله، فيجوز بيع المتجانس وزناً بوزن نقداً، ولا يجوز مع الزيادة، ولا يجوز إسلاف أحدهما في
[١] وسائل الشيعة، ج ١٢، ص ٤٦١ م أبواب الصرف، الباب ٢، ح ١٤.
[٢] وسائل الشيعة، ج ١٢، ص ٤٦١.
[٣] مهذب الأحكام للفقيه السبزواري، ج ١٨، ص ٤.