التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٢ - لمواجهة الفساد المالي
٦/ وقد يبلغ حب المال درجة الشرك، كما نراه في قصة صاحب الجنتين، الذي نجده إغتر بهما الى درجة نسيان الله، ولم ينفعه تحذير صاحبه الذي قال: (وَلَوْلآ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَداً) (الكهف/ ٣٩)
ولكنه أصرَّ على كفره، فكانت عاقبته الندم؛ حيث قصّ علينا القرآن عبرته، فقال سبحانه: (وَاحِيطَ بِثَمَرِهِ فَاصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ اشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً) (الكهف/ ٤٢)
وإنما كان شركه حسب الظاهر إغتراره بالثروة من دون الله سبحانه، وإنه لم يقل ما أمره صاحبه (مَا شَآءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ). وهكذا من إغتر بالمال، واعتمد عليه من دون الله، فكأنه أشرك بالله سبحانه.
٧/ ومع الزمن، إذا ازداد عدد الذين استعبدتهم الثروة شكلوا طبقة المترفين، الذين يتداولون الثروة فيما بينهم، ويفسقون في الأرض، كما قال الله سبحانه: (وَإِذَا أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً) (الاسراء/ ١٦)
وهكذا كان المترفون طبقة يفسقون في الأرض، فإذا هم سادوا المجتمع حق عليه القول فدمّره الله تدميراً.
ومن هنا كان من حكمة الصدقات تقسيم الثروة بين الناس، لكي لا يكون المال دولة بين الأغنياء. قال الله سبحانه: (مَآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الاغْنِيَآءِ مِنكُمْ وَمَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الحشر/ ٧)
٨/ ومن سيئات هذه الطبقة؛ نشر الترف، والذي يحذّر منه ربنا في كتابه: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً) (الاسراء/ ٢٧)
٩/ ومن سيئاتهم؛ السخرية بالفقراء والمحرومين، حيث يقول سبحانه: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لايَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة/ ٧٩)
والسخرية هذه تعني التعالي عليهم، وحرمانهم حقوقهم، والبغي عليهم.
١٠/ ومن سيئاتهم؛ مقاومة المصلحين والأنبياء، ومخالفة أحكام الدين. ومن هنا حذّر النبي