التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٨ - تأملات في الحديث
والبناء والحياكة والقصارة والخياطة وصنعة صنوف التصاوير مالم يكن مثل الروحاني وأنواع صنوف الآلات التي يحتاج إليها العباد منها منافعهم وبها قوامهم وفيها بلغة جميع حوائجهم، فحلال فعله وتعليمه والعمل به وفيه لنفسه أو لغيره. وإن كانت تلك الصناعة وتلك الآلة قد يستعان بها على وجوه الفساد ووجوه المعاصي وتكون معونة على الحق والباطل، فلا بأس بصناعته وتعليمه، نظير الكتابة التي هي على وجه من وجوه الفساد تقوية ومعونة لولاة الجور، كذلك السكين والسيف والرمح والقوس وغير ذلك من وجوه الآلة التي تصرف الى جهات الصلاح وجهات الفساد، وتكون آلة ومعونة عليهما، فلا بأس بتعليمه وتعلّمه وأخذ الأجر عليه والعمل به وفيه لمن كان له فيه جهات الصلاح من جميع الخلائق، ومحرّم عليهم فيه تصريفه الى جهات الفساد والمضارّ. فليس على العالم والمتعلّم إثم ولا وزر لما فيه من الرجحان في منافع جهات صلاحهم وقوامهم وبقائهم، وإنما الإثم والوزر على المتصرف بها في وجوه الفساد والحرام، وذلك إنما حرم الله الصناعة التي هي حرام كلّها التي يجيء منها الفساد محضاً، نظير البرابط والمزامير والشطرنج وكل ملهو به، والصلبان والأصنام وما أشبه من ذلك من صناعات الأشربة الحرام، وما يكون منه وفيه الفساد محضاً، ولا يكون منه ولا فيه شيء من وجوه الصلاح، فحرام تعليمه وتعلّمه والعمل به وأخذ الأجر عليه، وجميع التقلّب فيه من جميع وجوه الحركات كلها، إلّا أن تكون صناعة قد تتصرف الى جهات الصنايع، وإن كان قد يتصرف بها ويتناول بها وجه من وجوه المعاصي، فلعلّة ما فيه من الصلاح حلّ تعلّمه وتعليمه والعمل به،
ويحرم على من صرفه الى غير وجه الحق والصلاح. فهذا تفسير بيان وجه إكتساب معائش العباد وتعليمهم في جميع وجوه إكتسابهم (الى أن قال:) وأما ما يجوز من الملك والخدمة فستّة وجوه؛ ملك الغنيمة، وملك الشراء، وملك الميراث، وملك الهبة، وملك العارية، وملك الأجر. فهذه وجوه ما يحلّ وما يجوز للانسان إنفاق ماله وإخراجه بجهة الحلال في وجوهه، وما يجوز فيه التصرف والتقلّب من وجوه الفريضة والنافلة. [١]
تأملات في الحديث
أهم ما يستفاد من هذه الفقرة من الحديث الشريف؛ إن الصناعة أمر مرغوب في الشريعة لجهة حاجة العباد، وأنها محللة بصفة عامة، إنما تصبح محرمة إذا كانت متمحضة في الفساد.
[١] وسائل الشيعة، ج ١٢، الباب ٢ من أبواب ما يكتسب به، ص ٥٦- ٥٧.