التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٥ - تأملات في الحديث
وقال المحقق الحلي: الخامس: ما يجب على الإنسان فعله كتغسيل الموتى، وتكفينهم، وتدفينهم. [١]
أقول: ينبغي أن نتحدث باختصار عن هذا النوع من المحرمات، فنقول:
تختلف طبيعة الواجبات التي على المكلفين.
١/ فمنها التي لا تحتمل الإستيجار؛ مثل الصلاة والصوم، ذلك لأنها عبادات فردية، وهي مشروطة بنية القربة التي قد تتنافى وأخذ الأجرة عليها. بلى؛ لو دفع الأب لأبنائه مالًا ليصلوا، فأقاموا الصلاة لله وحده، بحيث لو لم يحصلوا على المال لأقاموها أيضاً، فإن صلاتهم صحيحة ويكون دور المال المدفوع مجرد تشجيع عليها، كما لو نذر أحد إقامة الصلاة فإن نذره يزيده عزماً.
٢/ ومن الواجبات ما هي ترتبط بالنظام الاجتماعي، وهي واجبات على الكفاية، ولكن من طبيعتها أخذ الأجرة عليها؛ مثل الصناعات والحرف المختلفة التي لولاها لتوقفت الحياة- فالطبيب مثلا واجبه مداواة المرضى، كما واجب المهندس تخطيط المدن، وإنشاء المساكن المناسبة للناس. ولو أضرب الأطباء عن عملهم حتى مات المرضى، لكانت تلك جريمة لا تغتفر. كذلك لو أضرب المهندسون عن عملهم حتى خربت المدن. ولكن هل يعني ذلك إن عليهم تنفيذ هذه الواجبات بلا أجر؟ كلًّا؛ إنما الواجب عليهم أداءها في مقابل أجور، وكما يقول العلامة النجفي فيها: ولا بأس بالوجوب مع العوض فتأمل. [٢]
٣/ ومن الواجبات ما هي عبادات إجتماعية؛ مثل الجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتجهيز الموتى والقضاء والولاية وما أشبه .. وإذا قام من به الكفاية بها سقط عن الآخرين. فهل يجوز أخذ الأجرة عليها؟ المشهور بين الفقهاء حرمة ذلك.
واستدلوا على ذلك بأن الواجب لا يمكن التخلف عنه من قبل المؤمن، فأخذ الأجرة عليه بمثابة أكل المال بالباطل. قال العلامة النجفي نقلًا عن أستاذه [٣]: إن المنافاة بين صفة الوجوب والتملك ذاتية، لأن المملوك والمستحق لا يملك ولا يستحق ثانياً. [٤]
[١] شرائع الإسلام، ج ٢، ص ١٠.
[٢] جواهر الكلام، ج ٨، ص ٦٣.
[٣] يبدو أن المراد منه آية الله الشيخ جعفر كاشف الغطاء.
[٤] المصدر ص ٦٢. يعني الذي يستأجر أحداً على عمل، انما يستأجره على عمل يملكه. والعمل الواجب لا يملكه المؤمن، لأنه لله، فكيف يبيعه للناس بالإيجار؟