التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧ - أولا لا جبر ولا تفويض
الفصل الأول: الإنسان إنه المسؤول
لا للجبر .. لا للتفويض
الإنسان ذلك الكائن (المبتلى) الذي حمل الأمانة وأُوتي المقدرة على أدائها، وأُوتي المشيئة في الاختيار إما شاكراً وإما كفورا. وقد قال عنه خالقه تبارك وتعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَاتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ* وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ اخْلَدَ إِلَى الارْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) (الاعراف/ ١٧٥- ١٧٦)
فما هي حدود مشيئة البشر التي خولها البارئ إليه، وما هي آفاق حريته التي حبيت له، وما هي حدودها؟ فيما يلي بعض التفصيل في هذا الموضوع الشائك.
أولًا: لا جبر ولا تفويض
في علم الفلسفة، كذلك في علم الكلام بحث بعيد الغور حول الجبر والتفويض، فمن الناس من نفى عن الانسان كل ألوان المسؤولية، وقال: كل شيء مقضي عليه، وهو منذ أن خلق كان مسيّراً. ولعل الكفار الذين نسبوا أفعالهم القبيحة الى الله سبحانه، كانوا من هؤلاء حين قال عنهم ربنا: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشَآءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (يس/ ٤٧)
وقال بعضهم (حسب ما يحكي عنهم الرب تعالى): (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ) (المؤمِنون/ ١٠٦)
وذهبت الأشاعرة إلى الجبر، وبالغ بعضهم في مذهبه حتى نسب الى الله كل أفعال العباد، ونفى عن ربه سبحانه صفة العدل.
ومنهم من ذهب الى التفويض، ونفى قدرة ربه على عباده، وزعم أن الخلق قد فاض من ضمير الخالق من دون وعي منه ولا إختيار، ولا يستطيع أن يغير فيه شيئاً. كما أشعة الشمس حين تفيض منها، وحين لا تستطيع فيها صنعاً. سبحان الله!