التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٧ - ثالثا الباعث وأثره في العقد
٣/ أما في الفقه الاسلامي فقد إختلف العلماء في مدى تأثير القصد؛ فقد أفتى البعض في حرمة وفساد العقد الذي قصد منه البائع وجهاً محرماً، كبيع العنب ليصنع خمراً، والخشب ليصنع صنماً، والحديد ليصنع سلاحاً للقتل الحرام، وكذا إجارة المساكن والسفن لغايات محرمة. [١]
وحملوا عليه الأحاديث التي وردت في حرمة مثل هذه العقود، كالحديث المأثور عن الامام الصادق عن الرجل يؤجر بيته فيباع فيه الخمر؟ قال: حرام أجرته. [٢]
وما ورد في مكاتبة ابن اذينة عن الامام الصادق عليه السلام أيضاً: عن رجل له خشب فباعه لمن يتخذه صلباناً؟ قال: لا. [٣]
وهكذا قال العلامة (ره) في كتابه" التذكرة": إجارة السفن والمساكن للمحرمات حرام. والسؤال: هل الحرمة تعني هنا فساد العقد؟ ذهب البعض الى ذلك، إلّا أن العلامة النجفي قال في كتابه الجواهر: لم نتحققه قولًا لأحد من الأصحاب ممن تقدمه، وإنما هو محكي عن الشافعي وأبي ضيفة ولاريب في ضعفه.
وقال المحقق الخراساني: إن الصحة والفساد، والحلية والحرمة دائران مدار قصد المحلل والمحرم. [٤]
٤/ والذي يبدو لي أن الحرمة والفساد في العقد يبتنيان على مدى تأثير الباعث (القصد) في تراضي الطرفين، فان كان كذلك فهو بمثابة شرط فاسد، ويصدق على ذلك التعاون على الإثم والعدوان؛ ومثال ذلك أن يشتري أحد بيتاً لكي يجعله ميتماً فيبيعه البائع بثمن زهيد، فإن قصد
المشتري مثل الشرط، فلولا أن البائع عرف قصد المشتري لما باعه. وكذلك لو إشترى أحدهم قطعة من ارض كبيرة لكي يبني فيها مستشفى مما يرفع قيمة القطع المجاورة لها فيخفض البائع السعر.
وكذلك لو علم البائع أن المشتري سوف يصنع الخمر من عنبه فباعه بسعر أغلى، أو إن الدار التي يبيعها ستتحول الى بيت دعارة، فيبيعها بأغلى. وبالتالي في مثل هذه الموارد يدخل الباعث ضمن دائرة التراضي، فيصبح جزءً من العقد، فاذا كان محرماً أفسد العقد.
[١] الفقه الاسلامي، ص ١٩٦.
[٢] المصدر.
[٣] المصدر.
[٤] المصدر، ص ١٩٧.