التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٧ - بقية الله
بقية الله
من الناس من يصاب في بصيرته، فلا يرى إلّا قدام رجليه؛ ومنهم من ينفذ ببصيرته في عمق الزمن، حتى يرمي ببصره الى أقصى مراحل حياته في الآخرة.
إن من كرامة الانسان تساميه عن لحظته الراهنة، واستشرافه الأفق الأقصى، كما إن من كرامته بلوغ بقية الله التي هي هدف المؤمن، لماذا؟
أولًا: لأنها خير عظيم، بينما اللذات العاجلة تنطوي عادة- على شر مستطير.
ثانياً: لأنها باقية، بينما الشهوات فانية.
ثالثاً: لأن ثوابها ليس مادياً فحسب، بل هو ثواب معنوي أيضاً.
١/ أهل مدين كانوا يطففون في المكيال والميزان، ويبخسون الناس أشياءهم ويفسدون في الأرض، فنهاهم النبي شعيب عليه السلام عن كل ذلك وذكرهم بأن بقية الله خير لهم. قال الله سبحانه: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) (هود/ ٨٦)
فما هي بقية الله؟ هي الربح الذي يبقى بعد صفقة عادلة. فان في ذلك الربح بركة الله، لأنه ساهم في دورة اقتصادية سليمة.
أم هي كل خير يتوفر لهم إذا هم عملوا بوصايا النبي شعيب، والتي تلخصت في نهيه عن الفساد؟
أم هي أبعد من هذا وذاك، وهي ذات الرسالة التي هبطت عليهم، وهذا الرسول الذي حملها، فاذا هم استمعوا إليه وأطاعوه فإنه عليه السلام خير لهم؟
بلى؛ هذا المعنى الشامل أقرب الى لغة الذكر، التي تضرب الأمثال ببعض الحقائق المفصلّة، ثم تبين الكلمة الشاملة لها ولغيرها.
وهذا ما يشير إليه تأويل هذه الآية بالإمام الحجة المنتظر عليه السلام، حيث جاء في الحديث: