البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٨٣٢ - ١- باب في ردّ متشابه القرآن إلى تأويله
بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاٰ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّٰا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [١] ،وَ بِقَوْلِهِ: وَ مٰا مُحَمَّدٌ إِلاّٰ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أَعْقٰابِكُمْ [٢]،وَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ [٣]،أَيْ لَتَسْلُكُنَّ سَبِيلَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ فِي الْغَدْرِ بِالْأَوْصِيَاءِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ،وَ هَذَا كَثِيرٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ،وَ قَدْ شَقَّ عَلَى النَّبِيِّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ عَاقِبَةُ أَمْرِهِمْ،وَ اطِّلاَعُ اللَّهِ إِيَّاهُ عَلَى بَوَارِهِمْ،فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ: فَلاٰ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرٰاتٍ [٤]وَ فَلاٰ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكٰافِرِينَ [٥].
وَ أَمَّا قَوْلُهُ: وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنٰا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنٰا [٦]فَهَذَا مِنْ بَرَاهِينِ نَبِيِّنَا(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)الَّتِي آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا وَ أَوْجَبَ بِهِ الْحُجَّةَ عَلَى سَائِرِ خَلْقِهِ،لِأَنَّهُ لَمَّا خَتَمَ بِهِ الْأَنْبِيَاءَ وَ جَعَلَهُ اللَّهُ رَسُولاً إِلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ وَ سَائِرِ الْمِلَلِ، خَصَّهُ اللَّهُ بِالاِرْتِقَاءِ إِلَى السَّمَاءِ عِنْدَ الْمِعْرَاجِ،وَ جَمَعَ لَهُ يَوْمَئِذٍ الْأَنْبِيَاءَ،فَعَلِمَ مِنْهُمْ مَا أُرْسِلُوا بِهِ وَ حَمَلُوهُ مِنْ عَزَائِمِ اللَّهِ وَ آيَاتِهِ وَ بَرَاهِينِهِ،وَ أَقَرُّوا أَجْمَعُونَ بِفَضْلِهِ وَ فَضْلِ الْأَوْصِيَاءِ وَ الْحُجَجِ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِ،وَ فَضْلِ شِيعَةِ وَصِيِّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ الَّذِينَ سَلَّمُوا لِأَهْلِ الْفَضْلِ فَضْلَهُمْ وَ لَمْ يَسْتَكْبِرُوا عَنْ أَمْرِهِمْ،وَ عَرَّفَ مَنْ أَطَاعَهُمْ وَ عَصَاهُمْ مِنْ أُمَمِهِمْ وَ سَائِرِ مَنْ مَضَى وَ مَنْ غَبَرَ أَوْ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ.
وَ أَمَّا هَفَوَاتُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ وَ مَا بَيَّنَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ،وَ وُقُوعُ الْكِنَايَةُ عَنْ أَسْمَاءِ مَنْ اجْتَرَمَ أَعْظَمَ مِمَّا اجْتَرَمَتْهُ الْأَنْبِيَاءُ مِمَّنْ شَهِدَ الْكِتَابُ بِظُلْمِهِمْ،فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ أَدَلِّ الدَّلاَئِلِ عَلَى حِكْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ الْبَاهِرَةِ وَ قُدْرَتِهِ الْقَاهِرَةِ وَ عِزَّتِهِ الظَّاهِرَةِ،لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ بَرَاهِينَ الْأَنْبِيَاءِ تَكْبُرُ فِي صُدُورِ أُمَمِهِمْ،وَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَتَّخِذُ بَعْضَهُمْ إِلَهاً، كَالَّذِي كَانَ مِنَ النَّصَارَى فِي ابْنِ مَرْيَمَ،فَذَكَرَهَا دَلاَلَةً عَلَى تَخَلُّفِهِمْ عَنِ الْكَمَالِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ عَزَّ وَ جَلَّ،أَ لَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ فِي صِفَةِ عِيسَى حَيْثُ قَالَ فِيهِ وَ فِي أُمِّهِ: كٰانٰا يَأْكُلاٰنِ الطَّعٰامَ [٧]؟يَعْنِي إِنَّ مَنْ أَكَلَ الطَّعَامَ كَانَ لَهُ ثُفْلٌ، وَ مَنْ كَانَ لَهُ ثُقْلٌ فَهُوَ بَعِيدٌ مِمَّا ادَّعَتْهُ النَّصَارَى لاِبْنِ مَرْيَمَ.
وَ لَمْ يَكُنْ عَنْ أَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ تَجَبُّراً وَ تَعَزُّزاً،بَلْ تَعْرِيفاً لِأَهْلِ الاِسْتِبْصَارِ،أَنَّ الْكِنَايَةَ عَنْ أَسْمَاءِ أَصْحَابِ الْجَرَائِرِ الْعَظِيمَةِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فِي الْقُرْآنِ لَيْسَتْ مِنَ فِعْلِهِ تَعَالَى،وَ أَنَّهَا مِنْ فِعْلِ الْمُغَيِّرِينَ وَ الْمُبَدِّلِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ،وَ اعْتَاضُوا الدُّنْيَا مِنَ الدِّينِ.
وَ قَدْ بَيَّنَ اللَّهِ تَعَالَى قِصَصَ الْمُغَيِّرِينَ بِقَوْلِهِ: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتٰابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هٰذٰا مِنْ عِنْدِ
[١] النساء ٤:٦٥.
[٢] آل عمران ٣:١٤٤.
[٣] الإنشقاق ٨٤:١٩.
[٤] فاطر ٣٥:٨.
[٥] المائدة ٥:٦٨.
[٦] الزخرف ٤٣:٤٥.
[٧] المائدة ٥:٧٥.