البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٨٤٩ - ١- باب في ردّ متشابه القرآن إلى تأويله
ثُمَّ يَجْتَمِعُونَ فِي مَوْطِنٍ آخَرَ يَكُونُ فِيهِ مَقَامُ مُحَمَّدٍ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ هُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ،فَيُثْنِي عَلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بِمَا لَمْ يُثْنِ عَلَيْهِ أَحَدٌ قَبْلَهُ،ثُمَّ يُثْنِي عَلَى الْمَلاَئِكَةِ كُلِّهِمْ،فَلاَ يَبْقَى مَلَكٌ إِلاَّ أَثْنَى عَلَيْهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، ثُمَّ يُثْنِي عَلَى الرُّسُلِ بِمَا لَمْ يُثْنِ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ قَبْلَهُ،ثُمَّ يُثْنِي عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ،يَبْدَأُ بِالصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَدَاءِ ثُمَّ بِالصَّالِحِينَ،فَيَحْمَدُهُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَ أَهْلُ الْأَرْضِ،وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: عَسىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقٰاماً مَحْمُوداً [١]فَطُوبَى لِمَنْ كَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ حَظٌّ وَ نَصِيبٌ،وَ وَيْلٌ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ حَظٌّ وَ لاَ نَصِيبٌ.
ثُمَّ يَجْتَمِعُونَ فِي مَوْطِنٍ آخَرَ،وَ يُدَالَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ،وَ هَذَا كُلُّهُ قُبَيْلَ الْحِسَابِ،فَإِذَا أُخِذَ فِي الْحِسَابِ، شُغِلَ كُلُّ إِنْسَانٍ بِمَا لَدَيْهِ،نَسْأَلُ اللَّهَ بَرَكَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ».
قَالَ:فَرَّجْتَ عَنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ،وَ حَلَلْتَ عَنِّي عُقْدَةً،فَعَظَّمَ اللَّهُ أَجْرَكَ.
فَقَالَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«وَ أَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نٰاضِرَةٌ* إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ [٢]،وَ قَوْلُهُ: لاٰ تُدْرِكُهُ الْأَبْصٰارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصٰارَ [٣]،وَ قَوْلُهُ: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرىٰ* عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهىٰ [٤]،وَ قَوْلُهُ:
يَوْمَئِذٍ لاٰ تَنْفَعُ الشَّفٰاعَةُ إِلاّٰ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمٰنُ وَ رَضِيَ لَهُ قَوْلاً* يَعْلَمُ مٰا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مٰا خَلْفَهُمْ وَ لاٰ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [٥] ،فَأَمَّا قَوْلُهُ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نٰاضِرَةٌ* إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ ،فَإِنَّ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ يَنْتَهِي فِيهِ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بَعْدَ مَا يَفْرُغُ مِنَ الْحِسَابِ إِلَى نَهَرٍ يُسَمَّى الْحَيَوَانَ،فَيَغْتَسِلُونَ فِيهِ وَ يَشْرَبُونَ مِنْهُ،فَتُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إِشْرَاقاً،فَيَذْهَبُ عَنْهُمْ كُلُّ قَذًى [٦]وَ وَعْثٍ،ثُمَّ يُؤْمَرُونَ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ،فَمِنْ هَذَا الْمَقَامِ يَنْظُرُونَ إِلَى رَبِّهِمْ كَيْفَ يُثِيبُهُمْ،وَ مِنْهُ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ،فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي تَسْلِيمِ الْمَلاَئِكَةِ عَلَيْهِمْ: سَلاٰمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهٰا خٰالِدِينَ [٧]فَعِنْدَ ذَلِكَ أَيْقَنُوا بِدُخُولِ الْجَنَّةِ وَ النَّظَرِ إِلَى مَا وَعَدَهُمُ رَبُّهُمْ،فَذَلِكَ قَوْلُهُ: إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ وَ إِنَّمَا يَعْنِي بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ،النَّظَرَ إِلَى ثَوَابِهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى.
وَ أَمَّا قَوْلُهُ: لاٰ تُدْرِكُهُ الْأَبْصٰارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصٰارَ هُوَ كَمَا قَالَ،لاَ تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ يَعْنِي لاَ تُحِيطُ بِهِ الْأَوْهَامُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصٰارَ يَعْنِي يُحِيطُ بِهَا وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ وَ ذَلِكَ مَدْحٌ امْتَدَحَ بِهِ رَبُّنَا نَفْسَهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَ تَقَدَّسَ عُلُوّاً كَبِيراً،وَ قَدْ سَأَلَ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)وَ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ مِنْ حَمْدِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [٨]،فَكَانَتْ مَسْأَلَتُهُ تِلْكَ أَمْراً عَظِيماً،وَ سَأَلَ أَمْراً جَسِيماً،فَعُوقِبَ،فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى:لَنْ تَرَانِي فِي
[١] الإسراء ١٧:٧٩.
[٢] القيامة ٧٥:٢٢،٢٣.
[٣] الأنعام ٦:١٠٣.
[٤] النجم ٥٣:١٣،١٤.
[٥] طه ٢٠:١٠٩،١١٠.
[٦] في«ج،ي»:قذر.
[٧] الزمر ٣٩:٧٣.
[٨] الأعراف ٧:١٤٣.