البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٥٤ - الواقعة آيه ١١-١
يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً،وَ بِرُوحِ الْقُوَّةِ جَاهَدُوا عَدُوَّهُمْ وَ عَالَجُوا مَعَايِشَهُمْ،وَ بِرُوحِ الشَّهْوَةِ أَصَابُوا لَذِيذَ الطَّعَامِ وَ نَكَحُوا الْحَلاَلَ مِنَ شَبَابِ النِّسَاءِ،وَ بِرُوحِ الْبَدَنِ دَبُّوا وَ دَرَجُوا،فَهَؤُلاَءِ مَغْفُورٌ لَهُمْ مَصْفُوحٌ عَنْ ذُنُوبِهِمْ،ثُمَّ قَالَ:[قَالَ] اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنٰا بَعْضَهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللّٰهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجٰاتٍ وَ آتَيْنٰا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنٰاتِ وَ أَيَّدْنٰاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [١]،ثُمَّ قَالَ فِي جَمَاعَتِهِمْ: وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [٢]يَقُولُ أَكْرَمَهُمْ بِهَا وَ فَضَّلَهُمْ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ،فَهَؤُلاَءِ مَغْفُورٌ لَهُمْ مَصْفُوحٌ عَنْ ذُنُوبِهِمْ.
ثُمَّ ذَكَرَ أَصْحَابَ الْمَيْمَنَةِ،وَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً بِأَعْيَانِهِمْ،جَعَلَ اللَّهُ فِيهِمْ أَرْبَعَةَ أَرْوَاحٍ:رُوحَ الْإِيمَانِ،وَ رُوحَ الْقُوَّةِ،وَ رُوحَ الشَّهْوَةِ،وَ رُوحَ الْبَدَنِ،فَلاَ يَزَالُ الْعَبْدُ يَسْتَكْمِلُ هَذِهِ الْأَرْوَاحَ الْأَرْبَعَةَ حَتَّى تَأْتِيَ عَلَيْهِ حَالاَتٌ».
فَقَالَ الرَّجُلُ:يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ،مَا هَذِهِ الْحَالاَتُ؟فَقَالَ:«أَمَّا أُولاَهُنَّ،فَهُوَ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاٰ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً [٣]فَهَذَا يَنْتَقِصُ مِنْهُ جَمِيعُ الْأَرْوَاحِ،وَ لَيْسَ بِالَّذِي يُخْرِجُ مِنْ دِينِ اللَّهِ،لِأَنَّ الْفَاعِلَ بِهِ رَدَّهُ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ،فَهُوَ لاَ يَعْرِفُ لِلصَّلاَةِ وَقْتاً،وَ لاَ يَسْتَطِيعُ التَّهَجُّدَ بِاللَّيْلِ وَ لاَ بِالنَّهَارِ،وَ[لاَ]الْقِيَامَ فِي الصَّفِّ مَعَ النَّاسِ،فَهَذَا نُقْصَانٌ مِنْ رُوحِ الْإِيمَانِ،وَ لَيْسَ يَضُرُّهُ شَيْئاً،وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَقِصَ مِنْهُ رُوحُ الْقُوَّةِ،فَلاَ يَسْتَطِيعُ جِهَادَ عَدُوِّهِ،وَ لاَ يَسْتَطِيعُ طَلَبَ الْمَعِيشَةِ،وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَقِصُ مِنْهُ رُوحُ الشَّهْوَةِ،فَلَوْ مَرَّتْ بِهِ أَصْبَحَ بَنَاتُ آدَمَ لَمْ يَحِنَّ إِلَيْهَا وَ لَمْ يَقُمْ،وَ تَبْقَى رُوحُ الْبَدَنِ فِيهِ،فَهُوَ يَدِبُّ وَ يَدْرُجُ حَتَّى يَأْتِيَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ،فَهَذَا الْحَالُ خَيْرٌ،لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ هُوَ الْفَاعِلُ بِهِ.وَ قَدْ تَأْتِي عَلَيْهِ حَالاَتٌ فِي قُوَّتِهِ وَ شَبَابِهِ فَيَهُمُّ بِالْخَطِيئَةِ،فَتُشَجِّعُهُ رُوحُ الْقُوَّةِ،وَ تُزَيِّنُ لَهُ رُوحُ الشَّهْوَةِ،وَ تَقُودُهُ رُوحُ الْبَدَنِ حَتَّى تُوقِعَهُ فِي الْخَطِيئَةِ،فَإِذَا لاَمَسَهَا نَقَصَ مِنَ الْإِيمَانِ،وَ تَفَصَّى [٤]مِنْهُ،فَلَيْسَ يَعُودُ فِيهِ حَتَّى يَتُوبَ،فَإِذَا تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ،فَإِنْ عَادَ أَدْخَلَهُ اللَّهُ نَارَ جَهَنَّمَ.
فَأَمَّا أَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ،فَمِنْهُمْ [٥]الْيَهُودُ وَ النَّصَارَى،يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: اَلَّذِينَ آتَيْنٰاهُمُ الْكِتٰابَ يَعْرِفُونَهُ كَمٰا يَعْرِفُونَ أَبْنٰاءَهُمْ [٦]يَعْرِفُونَ مُحَمَّداً وَ الْوَلاَيَةَ فِي التَّوْرَاةِ وَ الْإِنْجِيلِ،كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ* اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ [٧]فَلاٰ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [٨]،فَلَمَّا جَحَدُوا مَا عَرَفُوا ابْتَلاَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ،فَسَلَبَهُمْ رُوحَ الْإِيمَانِ،وَ أَسْكَنَ أَبْدَانَهُمْ ثَلاَثَةَ أَرْوَاحٍ:رُوحَ الْقُوَّةِ،وَ رُوحَ الشَّهْوَةِ،وَ رُوحَ الْبَدَنِ،ثُمَّ أَضَافَهُمْ إِلَى الْأَنْعَامِ،فَقَالَ: إِنْ هُمْ إِلاّٰ كَالْأَنْعٰامِ [٩]لِأَنَّ الدَّابَّةَ إِنَّمَا تَحْمِلُ بِرُوحِ الْقُوَّةِ وَ تَعْتَلِفُ بِرُوحِ
[١] البقرة ٢:٢٥٣.
[٢] المجادلة ٥٨:٢٢.
[٣] النحل ١٦:٧٠.
[٤] تفصّى من الشيء:تخلص.«لسان العرب ١٥:١٥٦».
[٥] في المصدر:فهم.
[٦] البقرة ٢:١٤٦.
[٧] في المصدر زيادة:أنك الرسول إليهم.
[٨] البقرة ٢:١٤٦،١٤٧.
[٩] الفرقان ٢٥:٤٤.