البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٨٠٥ - الإخلاص آيه ٤-١
فَالْأَلِفُ دَلِيلٌ عَلَى إِنِّيَّتِهِ،وَ هُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ: شَهِدَ اللّٰهُ أَنَّهُ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ [١]،وَ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ وَ إِشَارَةٌ إِلَى الْغَائِبِ عَنْ دَرْكِ الْحَوَاسِّ.
وَ اللاَّمُ دَلِيلٌ عَلَى إِلَهِيَّتِهِ بِأَنَّهُ[هُوَ]اللَّهُ،وَ الْأَلْفُ وَ اللاَّمُ مُدْغَمَانِ،لاَ يَظْهَرَانِ عَلَى اللِّسَانِ وَ لاَ يَقَعَانِ فِي السَّمْعِ، وَ يَظْهَرَانِ فِي الْكِتَابَةِ،دَلِيلاَنِ عَلَى أَنَّ إِلَهِيَّتَهُ بِلُطْفِهِ خَافِيَةٌ لاَ تُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ،وَ لاَ تَقَعْ فِي لِسَانِ وَاصِفٍ وَ لاَ أُذُنِ سَامِعٍ، لِأَنَّ تَفْسِيرَ الْإِلَهِ:هُوَ الَّذِي أَلِهَ الْخَلْقُ عَنْ دَرْكِ مَاهِيَّتِهِ وَ كَيْفِيَّتِهِ بِحِسٍّ أَوْ بِوَهْمٍ،لاَ،بَلْ هُوَ مُبْدِعُ الْأَوْهَامِ وَ خَالِقُ الْحَوَاسِّ،وَ إِنَّمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ عِنْدَ الْكِتَابَةِ،دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَظْهَرَ رُبُوبِيَّتَهُ فِي إِبْدَاعِ الْخَلْقِ وَ تَرْكِيبِ أَرْوَاحِهِمُ اللَّطِيفَةِ فِي أَجْسَادِهِمُ الْكَثِيفَةِ،فَإِذَا نَظَرَ عَبْدٌ إِلَى نَفْسِهِ لَمْ يَرَ رُوحَهُ.كَمَا أَنَّ لاَمَ الصَّمَدِ لاَ تَتَبَيَّنُ،وَ لاَ تَدْخُلُ فِي حَاسَّةٍ مِنَ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ،فَإِذَا نَظَرَ إِلَى الْكِتَابَةِ ظَهَرَ لَهُ مَا خَفِيَ وَ لَطُفَ،فَمَتَى تَفَكَّرَ الْعَبْدُ فِي مَاهِيَّةِ الْبَارِئِ وَ كَيْفِيَّتِهِ،أَلِهَ فِيهِ وَ تَحَيَّرَ،وَ لَمْ تُحِطْ فِكْرَتُهُ بِشَيْءٍ يَتَصَوَّرُ لَهُ،لِأَنَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ خَالِقُ الصُّوَرِ،فَإِذَا نَظَرَ إِلَى خَلْقِهِ تَثَبَّتَ لَهُ أَنَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ خَالِقُهُمْ،وَ مُرَكِّبُ أَرْوَاحِهِمْ فِي أَجْسَادِهِمْ.
وَ أَمَّا الصَّادُ فَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ صَادِقٌ،وَ قَوْلُهُ صِدْقٌ وَ كَلاَمُهُ صِدْقٌ،وَ دَعَا عِبَادَهُ إِلَى اتِّبَاعِ الصِّدْقِ بِالصِّدْقِ،وَ وَعَدَ بِالصِّدْقِ دَارَ الصِّدْقِ.
وَ أَمَّا الْمِيمُ فَدَلِيلٌ عَلَى مُلْكِهِ،وَ أَنَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ،لَمْ يَزَلْ وَ لاَ يَزَالُ وَ لاَ يَزُولُ [٢].
وَ أَمَّا الدَّالُ فَدَلِيلٌ عَلَى دَوَامِ مُلْكِهِ،وَ أَنَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ دَائِمٌ،تَعَالَى عَنِ الْكَوْنِ وَ الزَّوَالِ،بَلْ هُوَ عَزَّ وَ جَلَّ مُكَوِّنُ الْكَائِنَاتِ،الَّذِي كَانَ بِتَكْوِينِهِ كُلَّ كَائِنٍ.
ثُمَّ قَالَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):لَوْ وَجَدْتُ لِعِلْمِي الَّذِي آتَانِيَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ حَمَلَةً،لَنَشَرْتُ التَّوْحِيدَ وَ الْإِسْلاَمَ وَ الْإِيمَانَ وَ الدِّينَ وَ الشَّرَائِعَ مِنَ الصَّمَدِ،وَ كَيْفَ لِي بِذَلِكَ وَ لَمْ يَجِدْ جَدِّي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)حَمَلَةً لِعِلْمِهِ حَتَّى كَانَ يَتَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ وَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ:سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي،فَإِنَّ بَيْنَ الْجَوَانِحِ مِنِّي عِلْماً جَمّاً،هَاهْ هَاهْ أَلاَ لاَ أَجِدُ مَنْ يَحْمِلُهُ،أَلاَ وَ إِنِّي عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ،فَلاَ تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارَ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ.
ثُمَّ قَالَ الْبَاقِرُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا وَ وَفَّقَنَا لِعِبَادَةِ الْأَحَدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ،وَ جَنَّبَنَا عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ،حَمْداً سَرْمَداً وَ شُكْراً وَاصِباً،وَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ يَقُولُ:لَمْ يَلِدْ عَزَّ وَ جَلَّ فَيَكُونَ لَهُ وَلَدٌ يَرِثُهُ مُلْكَهُ [٣]،وَ لَمْ يُولَدْ فَيَكُونَ لَهُ وَالِدٌ يَشْرَكُهُ فِي رُبُوبِيَّتِهِ وَ مُلْكِهِ،وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ فَيُضَادَّهُ [٤]فِي سُلْطَانِهِ».
[١] آل عمران ٣:١٨.
[٢] في المصدر زيادة:ملكه.
[٣] «ملكه»ليس في المصدر.
[٤] في المصدر:فيعاونه.