البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٤٣٧ - الملك آيه ٢-١
أَمْرَيْنِ.قِيلَ:فَمَا ذَا،يَا بْنَ رَسُولِ اللَّهِ؟فَقَالَ:صِحَّةُ الْعَقْلِ،وَ تَخْلِيَةُ السَّرْبِ [١]،وَ الْمُهْلَةُ فِي الْوَقْتِ،وَ الزَّادُ قَبْلَ الرَّاحِلَةِ، وَ السَّبَبُ الْمُهَيِّجُ لِلْفَاعِلِ عَلَى فِعْلِهِ،فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ،فَإِذَا نَقَصَ الْعَبْدُ مِنْهَا خَلَّةً كَانَ الْعَمَلُ مِنْهُ مُطَّرَحاً بِحَسَبِهِ، وَ أَنَا أَضْرِبُ لَكَ لِكُلِّ بَابٍ مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ الثَّلاَثَةِ،وَ هِيَ الْجَبْرُ وَ التَّفْوِيضُ وَ الْمَنْزِلَةُ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ مَثَلاً يُقَرِّبُ الْمَعْنَى لِلطَّالِبِ،وَ يُسَهِّلُ لَهُ الْبَحْثَ مِنْ شَرْحِهِ،وَ يَشْهَدُ بِهِ الْقُرْآنُ بِمُحْكَمِ آيَاتِهِ،وَ يُحَقِّقُ تَصْدِيقَهُ عِنْدَ ذَوِي الْأَلْبَابِ وَ بِاللَّهِ الْعِصْمَةُ وَ التَّوْفِيقُ».
ثُمَّ قَالَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«فَأَمَّا الْجَبْرُ فَهُوَ[قَوْلُ]مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَبَرَ الْعِبَادَ عَلَى الْمَعَاصِي،وَ عَاقَبَهُمْ عَلَيْهَا، وَ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ فَقَدْ ظَلَّمَ اللَّهَ وَ كَذَّبَهُ وَ رَدَّ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: وَ لاٰ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [٢]وَ قَوْلَهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ذٰلِكَ بِمٰا قَدَّمَتْ يَدٰاكَ وَ أَنَّ اللّٰهَ لَيْسَ بِظَلاّٰمٍ لِلْعَبِيدِ [٣]مَعَ آيٍ كَثِيرَةٍ فِي مِثْلِ هَذَا،فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَجْبُورٌ عَلَى الْمَعَاصِي فَقَدْ أَحَالَ بِذَنْبِهِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ ظَلَّمَهُ فِي عُقُوبَتِهِ [٤]،وَ مَنْ ظَلَّمَ رَبَّهُ فَقَدْ كَذَّبَ كِتَابَهُ،وَ مَنْ كَذَّبَ كِتَابَهُ لَزِمَهُ الْكُفْرُ بِإِجْمَاعٍ الْأُمَّةِ،فَالْمَثَلُ الْمَضْرُوبُ فِي ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ مَلَكَ عَبْداً مَمْلُوكاً لاَ يَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسَهُ،وَ لاَ يَمْلِكُ عَرَضاً مِنْ عُرُوضِ الدُّنْيَا،وَ يَعْلَمُ مَوْلاَهُ ذَلِكَ مِنْهُ،فَأَمَرَهُ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُ بِالْمَصِيرِ إِلَى السُّوقِ بِحَاجَةٍ يَأْتِيهِ بِهَا،وَ لاَ يُمْلِكُهُ ثَمَنَ مَا يَأْتِيهِ بِهِ،وَ عَلِمَ الْمَالِكُ أَنَّ عَلَى الْحَاجَةِ رَقِيباً،لاَ يَطْمَعُ أَحَدٌ [٥]فِي أَخْذِهَا مِنْهُ إِلاَّ بِمَا يَرْضَى بِهِ مِنَ الثَّمَنِ،وَ قَدْ وَصَفَ مَالِكُ هَذَا الْعَبْدِ نَفْسَهُ بِالْعَدْلِ وَ النَّصَفَةِ وَ إِظْهَارِ الْحِكْمَةِ وَ نَفْيِ الْجَوْرِ،فَأَوْعَدَ عَبْدَهُ إِنْ لَمْ يَأْتِهِ بِالْحَاجَةِ أَنْ يُعَاقِبَهُ،فَلَمَّا صَارَ الْعَبْدُ إِلَى السُّوقِ وَ حَاوَلَ أَخْذَ الْحَاجَةِ الَّتِي بَعَثَهُ الْمَوْلَى لِلْإِتْيَان بِهَا،وَجَدَ عَلَيْهَا مَانِعاً يَمْنَعُهُ مِنْهَا إِلاَّ بِالثَّمَنِ[وَ لاَ يَمْلِكُ الْعَبْدُ ثَمَنَهَا]،فَانْصَرَفَ إِلَى مَوْلاَهُ خَائِباً بِغَيْرِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ،فَاغْتَاظَ مَوْلاَهُ لِذَلِكَ وَ عَاقَبَهُ عَلَى ذَلِكَ،فَإِنَّهُ كَانَ ظَالِماً مُتَعَدِّياً،مُبْطِلاً لِمَا وَصَفَ مِنْ عَدْلِهِ وَ حِكْمَتِهِ وَ نَصَفَتِهِ،وَ إِنْ لَمْ يُعَاقِبْهُ كَذَّبَ نَفْسَهُ،أَ لَيْسَ يَجِبُ أَنْ لاَ يُعَاقِبَهُ؟وَ الْكَذِبُ وَ الظُّلْمُ يَنْفِيَانِ الْعَدْلَ وَ الْحِكْمَةَ،تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الْمُجَبِّرَةُ عُلُوّاً كَبِيراً».
ثُمَّ قَالَ الْعَالِمُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)بَعْدَ كَلاَمٍ طَوِيلٍ:«فَأَمَّا التَّفْوِيضُ الَّذِي أَبْطَلَهُ الصَّادِقُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،وَ خَطَّأَ مَنْ دَانَ بِهِ،فَهُوَ قَوْلُ الْقَائِلِ:إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَوَّضَ إِلَى الْعِبَادِ اخْتِيَارَ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ وَ أَهْمَلَهُمْ،وَ هَذَا الْكَلاَمُ دَقِيقٌ لَمْ يَذْهَبْ إِلَى غَوْرِهِ وَ دِقَّتِهِ إِلاَّ الْأَئِمَّةُ الْمَهْدِيَّةُ(عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ)مِنْ عِتْرَةِ الرَّسُولِ(صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ)،فَإِنَّهُمْ قَالُوا:لَوْ فَوَّضَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ عَلَى جِهَةِ الْإِهْمَالِ لَكَانَ لاَزِماً رِضَا مَا اخْتَارُوهُ وَ اسْتَوْجَبُوا بِهِ الثَّوَابَ،وَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ فِيمَا اجْتَرَمُوا الْعُقَابَ،إِذَا كَانَ الْإِهْمَالُ وَاقِعاً،وَ تَنْصَرِفُ هَذِهِ الْمَقَالَةُ عَلَى نَوْعَيْنِ [٦]،إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْعِبَادُ تَظَاهَرُوا عَلَيْهِ فَأَلْزَمُوهُ قَبُولَ اخْتِيَارِهِمْ بِآرَائِهِمْ ضَرُورَةً،كَرِهَ ذَلِكَ أَمْ أَحَبَّ فَقَدْ لَزِمَهُ الْوَهْنُ،أَوْ يَكُونُ جَلَّ وَ تَقَدَّسَ عَجَزَ عَنْ تَعَبُّدِهِمْ بِالْأَمْرِ وَ النَّهْيِ عَنْ إِرَادَتِهِ،فَفَوَّضَ أَمْرَهُ وَ نَهْيَهُ إِلَيْهِمْ،
[١] السّرب:الطريق،يقال:خلّ له سربه،أي طريقه.و فلان مخلّى السّرب،أي موسّع عليه غير مضيّق.«أقرب الموارد ١:٥٠٨».
[٢] الكهف ١٨:٤٩.
[٣] الحجّ ٢٢:١٠.
[٤] في المصدر:في عظمته له.
[٥] في النسخ:لا يطيع أحدا.
[٦] في المصدر:على معنيين.