البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٨٣٦ - ١- باب في ردّ متشابه القرآن إلى تأويله
وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنٰامَ [١] .
وَ اعْلَمْ أَنَّ مَنْ آثَرَ الْمُنَافِقِينَ عَلَى الصَّادِقِينَ،وَ الْكَافِرَ عَلَى الْأَبْرَارِ،فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً،إِذْ كَانَ قَدْ بَيَّنَ فِي كِتَابِهِ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُحِقِّ وَ الْمُبْطِلِ،وَ الطَّاهِرِ وَ النَّجِسِ،وَ الْمُؤْمِنِ وَ الْكَافِرِ،وَ أَنَّهُ لاَ يَتْلُو النَّبِيَّ عِنْدَ فَقْدِهِ إِلاَّ مَنْ حَلَّ مَحَلَّهُ صِدْقاً وَ عَدْلاً وَ طَهَارَةً وَ فَضْلاً.
أَمَّا الْأَمَانَةُ الَّتِي ذَكَرْتَهَا فَهِيَ الْأَمَانَةُ الَّتِي لاَ تَجِبُ وَ لاَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ إِلاَّ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَ أَوْصِيَائِهِمْ،لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى ائْتَمَنَهُمْ عَلَى خَلْقِهِ وَ جَعَلَهُمْ حُجَجاً فِي أَرْضِهِ،فَبِالسَّامِرِيِّ وَ مَنِ اجْتَمَعَ مَعَهُ وَ أَعَانَهُ مِنَ الْكُفَّارِ عَلَى عِبَادَةِ الْعِجْلِ عِنْدَ غَيْبَةِ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)مَا تَمَّ انْتِحَالُ مَحَلِّ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)مِنَ الطَّغَامِ،وَ الاِحْتِمَالِ لِتِلْكَ الْأَمَانَةِ الَّتِي لاَ تَنْبَغِي إِلاَّ لِطَاهِرٍ مِنَ الرِّجْسِ،فَاحْتَمَلَ وِزْرَهَا وَ وِزْرَ مَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُ مِنَ الظَّالِمِينَ وَ أَعْوَانِهِمْ،وَ لِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):مَنِ اسْتَنَّ سُنَّةَ حَقٍّ كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَ أَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ،وَ مَنِ اسْتَنَّ سُنَّةَ بَاطِلٍ كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَ وِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ،وَ لِهَذَا الْقَوْلِ مِنَ النَّبِيِّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)شَاهِدٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ[وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ]عَزَّ وَ جَلَّ فِي قِصَّةِ قَابِيلَ قَاتِلِ أَخِيهِ مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنٰا عَلىٰ بَنِي إِسْرٰائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسٰادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمٰا قَتَلَ النّٰاسَ جَمِيعاً وَ مَنْ أَحْيٰاهٰا فَكَأَنَّمٰا أَحْيَا النّٰاسَ جَمِيعاً [٢]،وَ الْإِحْيَاءِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ تَأْوِيلٌ فِي الْبَاطِنِ لَيْسَ كَظَاهِرِهِ،وَ هُوَ مَنْ هَدَاهَا،لِأَنَّ الْهِدَايَةَ هِيَ حَيَاةُ الْأَبَدِ،وَ مَنْ سَمَّاهُ اللَّهُ حَيّاً لَمْ يَمُتْ أَبَداً،إِنَّمَا يَنْقُلُهُ مِنْ دَارِ مِحْنَةٍ إِلَى دَارِ رَاحَةٍ وَ مِنْحَةٍ.
وَ أَمَّا مَا كَانَ مِنَ الْخِطَابِ بِالاِنْفِرَادِ مَرَّةً وَ بِالْجَمْعِ مَرَّةً مِنْ صِفَةِ الْبَارِي جَلَّ ذِكْرُهُ،فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى اسْمُهُ عَلَى مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ بِالاِنْفِرَادِ وَ الْوَحْدَانِيَّةِ،هُوَ النُّورُ الْأَزَلِيُّ الْقَدِيمُ،الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ،لاَ يَتَغَيَّرُ،وَ يَحْكُمُ مَا يَشَاءُ،وَ يَخْتَارُ،وَ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ،وَ لاَ رَادَّ لِقَضَائِهِ،وَ لاَ مَا خَلَقَ زَادَ فِي مُلْكِهِ وَ عِزِّهِ،وَ لاَ نَقَصَ مِنْهُ مَا لَمْ يَخْلُقْهُ،وَ إِنَّمَا أَرَادَ بِالْخَلْقِ إِظْهَارَ قُدْرَتِهِ،وَ إِبْدَاءَ سُلْطَانِهِ،وَ تَبْيِينَ بَرَاهِينِ حِكْمَتِهِ،فَخَلَقَ مَا شَاءَ كَمَا شَاءَ،وَ أَجْرَى فِعْلَ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ عَلَى أَيْدِي مَنِ اصْطَفَى مِنْ أُمَنَائِهِ،فَكَانَ فِعْلُهُمْ فِعْلَهُ،وَ أَمْرُهُمْ أَمْرَهُ،كَمَا قَالَ: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطٰاعَ اللّٰهَ [٣].
وَ جَعَلَ السَّمَاءَ وَ الْأَرْضَ وِعَاءً لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ،لِيَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ،مَعَ سَابِقِ عِلْمِهِ بِالْفَرِيقَيْنِ مِنْ أَهْلِهَا،وَ لِيَجْعَلَ ذَلِكَ مِثَالاً لِأَوْلِيَائِهِ وَ أُمَنَائِهِ،وَ عَرَّفَ الْخَلِيقَةَ [٤]فَضْلَ مَنْزِلَةِ أَوْلِيَائِهِ [٥]،وَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ طَاعَتِهِمْ مِثْلَ الَّذِي فَرَضَ مِنْهُ لِنَفْسِهِ،وَ أَلْزَمَهُمْ الْحُجَّةَ بِأَنَّ خَاطَبَهُمْ خِطَاباً يَدُلُّ عَلَى انْفِرَادِهِ وَ تَوَحُّدِهِ،وَ بِأَنَّ لَهُ أَوْلِيَاءَ تَجْرِي أَفْعَالُهُمْ وَ أَحْكَامُهُمْ مَجْرَى فِعْلِهِ،فَهُمُ الْعِبَادُ الْمُكْرَمُونَ،الَّذِينَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ،هُمْ الَّذِينَ
[١] إبراهيم ١٤:٣٥.
[٢] المائدة ٥:٣٢.
[٣] النساء ٤:٨٠.
[٤] في«ج،ي»:الخلق.
[٥] زاد في«ي»:و أمنائه.